وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٠ - أسطوان التوبة
و قال ابن زبالة: حدثني غير واحد من أهل العلم منهم الزبير بن حبيب أن الأسطوان التي تدعى أسطوان عائشة هي الثالثة من المنبر، و الثالثة من القبر، و الثالثة من القبلة، و الثالثة من الرحبة، أي قبل زيادة الرواقين الآتي ذكرهما المتوسطة للروضة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلى إليها بضع عشرة المكتوبة ثم تقدم إلى مصلاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط، أي الرواق الأوسط، و أن أبا بكر و عمر و الزبير بن العوام و عامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، و أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، و كان يقال لذلك المجلس مجلس المهاجرين، انتهى.
و قد ذكر ابن النجار هذه الرواية عن الزبير بن حبيب، و زاد: و قالت عائشة فيها: لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان، فسألوها عنها فأبت أن تسميها، فأصغى إليها ابن الزبير فسارّته بشيء، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوان عائشة، قال:
فظن من معه أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة، فسميت أسطوان عائشة، قال: و أخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال: رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر، ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر، و يقال: الدعاء عندها مستجاب، هذا لفظ رواية ابن النجار عقب ما قدمناه من رواية ابن زبالة. و زاد فيما ذكره ابن زبالة عقب قوله: «إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى إليها المكتوبة بضع عشرة، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم» ما لفظه: و كان يجعلها خلف ظهره، قلت: و لم أره في كلام غيره، و الظاهر أن مراده أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يستند إليها إذا جلس هناك، لا أنه يجعلها خلف ظهره إذا صلى؛ لما ذكره عن زيد بن أسلم من أنه رأى موضع جبهة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عندها، و وصف هذه الأسطوانة بالمخلقة يؤخذ مما تقدم عن ابن زبالة من قول أبي هريرة «و كان مصلاه (صلّى اللّه عليه و سلم) الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلقة خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام» إلى آخر ما تقدم قلت: و هذه الأسطوان بصف الأساطين التي خلف الإمام الواقف بالمصلى الشريف، و هي الثالثة من القبلة و كانت الثالثة أيضا من رحبة المسجد كما تقدم، و ذلك قبل أن يزاد في مسقف مقدم المسجد الرواقان الآتي بيانهما في رحبته، و بهما صارت خامسة من الرحبة.
أسطوان التوبة
و منها أسطوان التوبة، و تعرف بأسطوان أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف الأوسي أحد النقباء، و اسمه رفاعة، و قيل غير ذلك، سميت به لأنه ارتبط إليها حتى أنزل الله توبته كما قدمناه في غزوة بني قريظة.
و قال الأقشهري: اختلف أهل السير و التفسير في ذنب أبي لبابة، فقال قوم: كان من