وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨٢ - الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان
أن الناس شكوا إليه ضيق المسجد؛ فقوله: «لما أراد عثمان بناء المسجد» أي: على الهيئة التي بناه عليها، و يؤخذ من هذا إطلاق البناء المرغّب فيه في حق من جدد و وسع؛ لأن عثمان لم يبن المسجد كله إنشاء، و قوله «إنكم أكثرتم» أي: الكلام بالإنكار و نحوه.
و روى يحيى عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب قال: لما ولي عثمان بن عفان سنة أربع و عشرين كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم، و شكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، حتى إنهم ليصلون في الرحاب، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأجمعوا على أن يهدمه و يزيد فيه، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أزيد فيه، و أشهد لسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: من بنى لله مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة، و قد كان لي فيه سلف و إمام سبقني و تقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه و بناه، و قد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأجمعوا على هدمه و بنائه و توسيعه، فحسّن الناس يومئذ ذلك و دعوا له، فأصبح فدعا العمال و باشر ذلك بنفسه، و كان رجلا يصوم الدهر و يصلي الليل، و كان لا يخرج من المسجد، و أمر بالقصّة المنخولة تعمل ببطن نخل، و كان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة تسع و عشرين، و فرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر.
قلت: قوله أولا «لما ولي عثمان سنة أربع و عشرين» إلى قوله «فأصبح و دعا العمال» يفهم أنه في تلك السنة، و قوله أخيرا «و كان أول عمله إلى آخره» يأباه، و ما ذكره أخيرا هو الصواب المذكور في كلام غيره؛ فيحمل ما ذكره أولا على أنه لم يشرع في المشاورة و العمارة عقب كلام الناس له، بل استمر تلك السنين، و ربما تكرر الكلام فخطبهم في السنة التي وقعت فيها العمارة.
و قد روى رزين الخبر المذكور عن المطلب المذكور بلفظ: لما ولي عثمان و كان سنة أربع من خلافته كلمه الناس أن يزيد في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و شكوا إليه ضيقه، فشاور عثمان أهل الرأي، فأشاروا عليه بذلك، و ذكر نحو ما تقدم، و ينبغي حمله أيضا على أن الكلام وقع من الناس سنة أربع من خلافته و تأخرت العمارة إلى سنة تسع و عشرين- بتقديم المثناة الفوقية على السين- و إلا فهو مخالف لما تقدم؛ لأن عثمان (رضي الله عنه) ولي غرة المحرم افتتاح سنة أربع و عشرين، فسنة أربع من خلافته هي سنة سبع و عشرين- بتقديم السين على الموحدة- و الأول هو الأصح؛ فقد روى يحيى و ابن زبالة أن عثمان زاد في المسجد قبل أن يقتل بأربع سنين، و عثمان قتل في ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين.
و قال الحافظ ابن حجر: كان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور، و قيل: في