وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٣ - المقصورة الدائرة على الحجرة
بالأمر بالغلق سنة ثمان و عشرين، و استمر ذلك إلى اليوم، كذا أخبرني به بعض مشايخ الحرم. و رأيت حاشية على كلام المجد بخط الحافظ جمال الدين بن الخياط اليمني، و لفظها: و مما أحدث في دولة الملك الأشرف برسباي صاحب مصر و الشام بعد الثلاثين و ثمانمائة سمرت أبواب الدرابزين المذكور، و صار الناس يزورون من وراء الدرابزين من غير دخول أحد إلى الحجرة الشريفة، قصدوا بذلك زيادة الحرمة، و تنزيه المشهد الشريف عن كثرة اللامسين بالأيدي و غيره؛ فإن كثيرا من جهال العرب و غيرهم يلصقون ظهورهم بصندوق القبر الشريف و جداره، قاصدين بذلك التبرك، و الخير كله في استعمال الأدب، انتهى.
قلت: و الصواب المتعين وجوب فتح بعض تلك الأبواب، خصوصا في غير أيام الموسم، و ليس الطريق في إزالة المفسدة المذكورة غلق تلك الأبواب و تعطيل تلك البقعة، بل وقوف الخدام عند ذلك المحل، و منع من يتعاطى فيه ما لا يليق بالأدب، على أن ذلك لم يحسم المادة؛ لأن تلك الأمور- أعني لمس الجهال و وضعهم الظهور- يفعل اليوم بهذا الدرابزين، و لا شك أن الجدار الذي كان يفعل به ذلك ليس هو نفس القبر، بل و لا جدار الحجرة كما قدمناه، بل جدار آخر دائر به، كما أن هذه المقصورة دائرة به، فإن كان ذلك يقتضي تعطيل ذلك المحل، فليعطل من أجله المسجد بأجمعه، و تعطيل المسجد أو شيء منه حرام فلا يرتكب لدفع مكروه مع إمكان دفعه بغيره، و ما يقال من أنه ربما وجد في بعض المواسم هناك قذر؛ فقد كان شيخنا شيخ الإسلام فقيه العصر شرف الدين المناوي يقول في جوابه: لا شك أن ذلك المحل من المسجد، فإن كان وجود القذر فيه مقتضيا لتعطيله و صيانته بالغلق فليغلق المسجد بأجمعه، فإن حكم الكل واحد من حيث وجوب صونه و اختصاص ما تقرب من المحل الشريف بمزيد التعظيم حاصل بالجدار الكائن عليه، و طريق التعظيم المنع من ذلك كما قدمناه، على أن لمس جدار القبر و تقبيله ليس مما أجمع على كراهته كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى في باب الزيارة.
و لما قدم مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أعز اللّه أنصاره المدينة الشريفة للزيارة سنة أربع و ثمانين و ثمانمائة و اجتمعت به بالروضة الشريفة أردت أن أتكلم معه في فتح بعض تلك الأبواب في غير أيام الموسم، فرأيته قد تعاظم دخول هذه المقصورة لما عرض عليه ذلك. و قال: لو أمكنني الوقوف للزيارة في أبعد من هذا الموضع فعلت، و رأى أن ذلك هو التعظيم، فعلمت أنه لا يوافق على ما أريده، و اللّه أعلم.