وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٣ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
متفاوت العرض؛ فجعلوا ما يلي المشرق منه- و هو الموضع المحاذي للأسطوانة التي وقعت الزيادة في العرض لأجل إدخالها و إدغامها بذلك- أزيد من الجهة التي تلي المغرب منه بنحو نصف ذراع؛ فإنهم جعلوا عرض الجدار في هذه الجهة من أسفل عقد القبة نحو ثلاثة أذرع بذراع اليد، و عرضه في الجهة الأخرى دون ذلك بنحو نصف ذراع، بحيث صارت جهة الأسطوان المذكور بارزة عن بقية ذلك الجدار في الرحبة المذكورة كما سيأتي تصويره.
و قد جعلوا على رأس هذا الجدار بناء يسيرا مما بقي من اللبن الذي أخرج من بعض جدار الحجرة كما تقدم وصفه، بعد أن تفرق اللبن المذكور، و أخذ الكثير منه.
و تركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة، فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من الحصباء جاءوا بها من عرصة العقيق من جنس حصباء المسجد بعد غسلها بالماء ليضعوها على القبور الشريفة، و كنت قد ذكرت لبعضهم أن موضع القبر الشريف النبوي مما يلي الجدار القبلي، و أنه يستنبط مما قدمناه في مسمار الفضة المحاذي للوجه الشريف أن أول القبر الشريف من جهة المغرب على نحو ذراعين بذراع اليد من الحائط الغربي؛ لأنا إذا أسقطنا عرض الجدارين الغربيين- و هما الجدار الداخل و الخارج، و هو نحو ثلاثة أذرع مما بين المسمار و أول الجدار الظاهر الغربي و هو نحو خمسة أذرع كما تقدم- كان الباقي نحو الذراعين إلى الرأس الشريف، فاستحسن ذلك، فحضر معهم لما دخلوا من الخوخة المذكورة لوضع الحصباء على القبور الشريفة، فوضعوا ذلك على المحل الشريف المذكور كما وصفت، و أخذوا بالهيئة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من أن رأس أبي بكر (رضي الله عنه) خلف منكب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و رأس عمر (رضي الله عنه) خلف منكب أبي بكر، فوضعوا الحصباء عليهما كذلك و كان بعض المباشرين لذلك حنفيا- و هو صهر متولي العمارة- فجعلها مسنّة، و ذلك بعد أن أكثروا في الموضع المذكور من البخور بالعود و العنبر و غيرهما من أنواع الروائح، و عرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح، و لله در القائل:
بطيب رسول اللّه طاب نسيمها * * * فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب
و ألقى جماعة من الناس من تلك الخوخة أوراقا كتبوا فيها التشفع بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و مارب يسألونها بالحجرة الشريفة، ثم سدوا الخوخة المذكورة، و أحكموا بناءها كبقية الجدار، و بيضوا القبة المذكورة و جميع جدرانها من خارجها بالجص، و جاءت حسنة فاض عليها أنس المحل الشريف، و نصبوا بأعلاها هلالا من نحاس يظنه الرائي ذهبا، و هو قريب من سقف المسجد الأول؛ فإن القبة المذكورة تحته، ثم سدوا ما بقي من نقب الجدار الظاهر، و حضرت معهم في ذلك الوقت، و حضرت أيضا بعض بناء الحجرة الشريفة، و تبركت بالعمل فيه، و لم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة، و أنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحالّ بذلك الحمى المنيع، التي أولها: