وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٤٨ - حكم معاليق المسجد النبوي
محمد بن عمار عن أبيه عن جده قال: أتى عمر بن الخطاب بمجمرة من فضة فيها تماثيل، فدفعها إلى سعد أحد المؤذنين، و قال: أجمر بها في الجمعة و في شهر رمضان، فكان سعد يجمر بها بين يدي عمر بن الخطاب، الخبر الآتي.
ثم قال: عبد الله بن محمد بن عمار بن سعد القرظ ضعفه ابن معين، و كذا الراوي عنه، و محمد بن عمار حسن له الترمذي، فلو سلم ممن دونه كان جيدا، و مقتضى اشتراط الفقهاء الاحتواء في المجمرة عدم تحريم هذا الصنيع، لكن العرف دال على عد ذلك استعمالا، فإما أن يكون الحديث ضعيفا، و إما أن يكون احتمل ذلك لأجل المسجد تعظيما له، فتكون القناديل بطريق الأولى؛ إذ لا استعمال فيها.
قال: و لا يجوز صرف شيء من قناديل الحجرة في عمارتها، و لا في عمارة المسجد؛ لأنها إنما أعدت للبقاء، و ليس قصد بها جهات إلا ذلك، سواء وقفها أو اقتصر على إهدائها.
قال: و قد سئلت عن جواز بيعها لعمارة المسجد النبوي، فأنكرته و استقبحته، و كيف يبلغ ملوك الأرض أنا بعنا قناديل نبينا لعمارة حرمه و نحن نفديه بأنفسنا فضلا عن أموالنا؟
و ما برحت الملوك يفتخرون بعمارته.
قلت: و قد تعقبه جماعة، و المحل قابل للمناقشة، و ليس ذلك من غرضنا، غير أنا نقول: ستر الكعبة بالديباج قام عليه الإجماع، و أما التحلية بما ذكر فلم يثبت عن من يحتج بفعله، و ترك عمر بن عبد العزيز يحتمل أعذارا ليس هذا محل بيانها.
و قد نقل الشيخ الموفق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب، و القناديل من الأواني بلا شك، و استعمال كل شيء بحسبه؛ فاستعمال ما ذكر بتعليقه للزينة، و قد سلم تحريم اتخاذ الأبنية منها أيضا.
و قد ذكر الجمال الكازروني المدني أشياء أيّد بها كلام السبكي: منها أن اللّه تعالى قال:
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور: ٣٦] قال: و هي بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، قاله مجاهد، و معنى ترفع تعظم و يرفع شأنها و تزين، و تزيينها تعليق قناديل الذهب فيها، و تطهر من الأنجاس و الأقذار و تطيب.
قلت: قوله «و من تعظيمها تعليق ذلك فيها» هو محل النزاع؛ لأن من حرم ذلك لا يسلمه، و اللّه أعلم.
و منها: أنه روي عن عثمان تعليق قناديل الذهب بالمسجد النبوي.
قلت: و لعله من اختلاف أعدائه عليه، و لم أره مسطورا في تأليف، و لو كان له أصل لذكره مؤرخو المدينة.