وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٤ - الشيعة غير الأشراف
الأشراف العلويين، و جرى الأمر على ذلك إلى يومنا هذا، لا يدخل المسجد إلا جنائز الأشراف و أهل السنة، و حاول بعض أهل المدينة إدخال بعض الشيعة غير الأشراف فقام في ذلك بعض أمراء الترك و منع منه، و كان صاحبنا العلامة أحد شيوخ المالكية الشيخ شهاب الدين أحمد بن يونس القسنطيني ينكر الصلاة على الموتى بالروضة الشريفة و مقدم المسجد؛ لكون رجلي الميت تصيران إلى جهة الرأس الشريف، حتى إنه أوصى أن يصلّى عليه خارج المسجد في موضع الجنائز، و أكثر قبل وفاته من الاستفتاء في ذلك، و أراني خطوط جماعة من علماء الشام و غيرها من الشافعية و غيرهم يتضمن موافقته على ذلك، و في كلام بعض الشافعية: ينبغي أن تكون الصلاة بالمسجد خلف الحجرة الشريفة أو شرقيها، و التمس مني الكتابة في ذلك، فكتبت بما حاصله أن الله تعالى قد أوجب على هذه الأمة تعظيم نبيها (صلّى اللّه عليه و سلم) و توقيره و سلوك الأدب التام معه، و لا شك أن الميت إذا وضع في مقدم الروضة أو المسجد كما يوضع اليوم و إن لم تكن رجلاه في محاذاة الرأس الشريف حقيقة؛ لأن الرأس الشريف في محاذاة صف أسطوان التوبة و المخلقة: أي حذاء الأسطوانات التي تكون خلف المصلى على الميت، لكن تكون رجلاه في محاذاة الجهة المذكورة، و قد تصدق المحاذاة مع البعد، و لو رأينا شخصا اضطجع بذلك المحل من الروضة و جعل رجليه لتلك الجهة الشريفة لأنكرنا ذلك عليه، و ما ننكره على الأحياء لا ينبغي أن نفعله بالأموات، و قد تأملت كتب المذاهب الأربعة فلم أر فيها تعرضا لذكر السنة في جهة رجلي الميت، بل ذكر الشافعية فيما إذا حضرت جنائز و صلّى عليها الإمام دفعة وجهين: أصحهما وضع الجميع صفا بين يدي الإمام في جهة القبلة، زاد أبو زرعة العراقي في شرح البهجة: و الأولى جعلها عن يمينه، و الثاني يوضع الجميع صفا واحدا رأس كل إنسان عند رجل الآخر، و يجعل الإمام جميعهم عن يمينه، و يقف في محاذاة الأخير، هذا إذا اتحد النوع، فإن اختلف النوع تعين الوجه الأول، ذكره في أصل الروضة، و يؤخذ منه استحباب جعل رجلي كل ميت عن يمين الإمام على الوجه الثاني، و إلا فلا يكون الجميع صفا عن يمينه، و أما على الوجه الأول فيؤخذ ذلك أيضا مما تقدم عن أبي زرعة، و لعل مأخذه فيه ما ذكر في الثاني، و إذا ثبت ذلك في الجماعة فالواحد كذلك؛ فيكون الأولى جعل رجليه عن يمين الإمام، و لكن الذي عليه الناس جعلهما على يساره.
و رأيت في كتب المالكية ما يقتضي أن ذلك هو الأولى، و أن الناس مضوا على ذلك.
و قد ظهر لي أن السر في ذلك أن السلف- كما يؤخذ مما قدمناه- إنما كانوا يصلون على الجنائز خارج المسجد في شرقيه في الموضع المعروف بذلك، و الواقف هناك يكون القبر الشريف عن يمينه، فرأوا- و اللّه أعلم- أن الأدب جعل الرجلين عن يسار الإمام صرفا