وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٦ - خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
فيعطيه و يأمره بالانصراف، إلى أن انقضت الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ قالوا: لا، فقال: تفكروا و تأملوا، فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا، و هما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج، فانشرح صدره و قال: عليّ بهما، فأتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إليهما بقوله: أنجدني، أنقذني من هذين، فقال لهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب، جئنا حاجّين فاخترنا المجاورة في هذا العام عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: اصدقاني، فصمّما على ذلك، فقال: أين منزلهما؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة، فأمسكما و حضر إلى منزلهما، فرأى فيه مالا كثيرا و ختمتين و كتبا في الرقائق، و لم ير فيه شيئا غير ذلك، فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير و قالوا: إنهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات في الروضة الشريفة و زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و زيارة البقيع كل يوم بكرة و زيارة قباء كل سبت، و لا يردان سائلا قط بحيث سدّا خلة أهل المدينة في هذا العام المجدب، فقال السلطان: سبحان الله! و لم يظهر شيئا مما رآه، و بقي السلطان يطوف في البيت بنفسه، فرفع حصيرا في البيت، فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة، فارتاعت الناس لذلك، و قال السلطان عند ذلك:
اصدقاني حالكما و ضربهما ضربا شديدا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زيّ حجاج المغاربة، و أمالوهما بأموال عظيمة، و أمروهما بالتحيل في شيء عظيم خيّلته لهم أنفسهم، و توهموا أن يمكنهم اللّه منه، و هو الوصول إلى الجناب الشريف و يفعلوا به ما زيّنه لهم إبليس في النقل و ما يترتب عليه، فنزلا في أقرب رباط إلى الحجرة الشريفة، و فعلا ما تقدم، و صارا يحفران ليلا، و لكل منهما محفظه جلد على زي المغاربة، و الذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته، و يخرجان لإظهار زيارة البقيع، فيلقيانه بين القبور، و أقاما على ذلك مدة، فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء و أبرقت، و حصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة. و اتفق إمساكهما و اعترافهما، فلما اعترفا و ظهر حالهما على يديه، و رأى تأهيل اللّه له لذلك دون غيره بكى بكاء شديدا، و أمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة، و هو مما يلي البقيع، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم، و حفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها، و أذيب ذلك الرصاص، و ملأ به الخندق، فصار حول الحجرة الشريفة سورا رصاصا إلى الماء، ثم عاد إلى ملكه، و أمر بإضعاف النصارى، و أمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال، و أمر مع ذلك بقطع المكوس جميعا، انتهى.
و قد أشار إلى ذلك الجمال المطري باختصار، و لم يذكر عمل الخندق حول الحجرة و سبك الرصاص به، لكن بيّن السنة التي وقع فيها ذلك مع مخالفة لبعض ما تقدم، فقال في الكلام على سور المدينة المحيط بها اليوم: وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن