وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٨ - خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
الوزير عند وقوع الرؤيا المذكورة، لاحتمال أنه وزر له بعد ذلك أو قبله، و جمال الدين الموصلي هذا هو الجواد الأصفهاني، و قد تقدم ذكره في ترخيم الحجرة، و وصفه بأنه وزير بني زنكي؛ لأنه كان وزير والد نور الدين الشهيد الذي هو زنكي ثم وزر لولده غازي، و أدرك دولة نور الدين الشهيد و زمان هذه الواقعة؛ فالظاهر أنه وزر له، و أنه المراد في هذه الواقعة.
و العجب أني لم أقف على هذه القصة في كلام من ترجم نور الدين الشهيد مع عظمها، و هي شاهدة لما ذكره الإمام اليافعي في ترجمته من أن بعض العارفين من الشيوخ ذكر أنه كان في الأولياء معدودا من الأربعين و صلاح الدين نائبه من الثلاثمائة، انتهى.
و قال ابن الأثير: طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام و فيه إلى يومنا، فلم أر بعد الخلفاء الراشدين و عمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، انتهى.
و قد اتفق بعد الأربعمائة من الهجرة ما يقرب من قصة رؤيا نور الدين الشهيد المتقدمة على ما نقله الزين المراغي عن تاريخ بغداد لابن النجار، قال: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن المبارك المقري، عن أبي المعالي صالح بن شافع الجلي، أنبأنا أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن محمد المعلم، ثنا أبو القاسم عبد الحليم بن محمد المغربي أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و صاحبيه من المدينة إلى مصر، و زيّن له ذلك، و قال:
متى تم لك ذلك شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، و كانت منقبة لسكانها، فاجتهد الحاكم في مدة و بنى بمصر حائزا، و أنفق عليه مالا جزيلا. قال: و بعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف، فلما وصل إلى المدينة الشريفة و جلس بها حضر جماعة المدنيين و قد علموا ما جاء فيه، و حضر معهم قارئ يعرف بالزلباني، فقرأ في المجلس وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٢- ١٣] فماج الناس، و كادوا يقتلون أبا الفتوح و من معه من الجند، و ما منعهم من السرعة إلى ذلك إلا أن البلاد كانت لهم.
و لما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم: الله أحق أن يخشى، و اللّه لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع، و حصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف نهض في مثل هذه المخزية، فما انصرف النهار ذلك اليوم حتى أرسل اللّه ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها حتى دحرجت الإبل بأقتابها و الخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، و هلك أكثرها و خلق من الناس، فانشرح صدر أبي الفتوح و ذهب روعه من الحاكم لقيام عذره من امتناع ما جاء فيه.