وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٥٦ - الشروع في العمارة بعد الحريق
عقود المسجد التي تلي رحبته من جهة المشرق و سقف الرواق الذي كان عليها؛ لاقتضاء نظرهم ذلك، و نقضوا بعض أساطينه فوجد بعضها لا رصاص فيه، و بعضها فيه رصاص، ثم أعادوا ذلك في سنتهم، و هدموا أيضا جانبا من سور المسجد الشريف مما يلي المشرق من جهة المنارة الشرقية المعروفة بالسنجارية من باب سلّمها، و هو الباب الثاني جوف بابها الظاهر، إلى ما يوازي حرف الدكاك من القبلة، و ذلك آخر المسقف الشامي، و مقدار ذلك سبعة و عشرون ذراعا بذراع اليد المتقدم وصفه، هدموا ذلك من أعلاه إلى أسفله، و بلغوا به دك الأس القديم، و ظهر في أصل جدار المنارة المذكورة انشقاق و كانت تضطرب عند الهدم بحيث خشي سقوطها، فسكبوا في ذلك الشق كثيرا من الجص المذاب حتى امتلأ، و كان ما هدموه من سور المسجد و عقوده مبنيا بالجص السكب، فذكر مهندس العمارة أن الجدار إنما اختل لأن السباخ له تأثير في إذابة الجص، و اقتضى رأيه أن يؤسسه بالطين و النورة المخلوطة بناعم الحصباء، ففعلوا ذلك في الجدار المذكور كله و في العقود المذكورة أيضا، و كحلوا أطراف وجوه الأحجار بالجص من داخل المسجد و خارجه، و رفعوا السقف الكائن أمام المنارة المذكورة إلى جنب ما هدموه من الجدار المذكور، و أعادوا ذلك من سنتهم أيضا. ثم اتفقت أمور اقتضت تأخير العمارة، فتعطلت في سنة ثمانين. ثم ورد الخواجا الشمسي ابن الزمن إلى المدينة الشريفة صحبة أمير جدة في جمادى الأولى سنة إحدى و ثمانين و أقام لمباشرة العمارة بنفسه، فرفعوا سقف الروضة الأعلى و ما اتصل به مما حول القبة الزرقاء الآتي ذكر عملها بأعلى الحجرة الشريفة في سقف المسجد الأعلى، و رفعوا أيضا شيئا مما يلي ذلك من جهة ما يوازي غربي المنبر الشريف لتكسر كثير من أخشابه، و كان ذلك السقف مع بقية سقف مقدم المسجد على عبارات من خشب موضوعة على أبنية فوق رءوس السواري بعرض تلك السواري، كما أن السقف الأسفل المشاهد مما يلي المسجد موضوع على عبارات كذلك فوق رءوس السواري، فاقتضى رأي متولى العمارة إبدال تلك الأخشاب بعقود من آجر كهيئة القناطر التي حول رحبة المسجد، و رأى أن ذلك أبقى و أحكم من الأخشاب، مع أن عبارات السقف الأسفل كما قدمناه على رءوس السواري بأصل تلك العقود، و لكنه رأى الإحكام في ذلك، ففعله في القطعة التي رفعها من السقف المذكور فقط، و وضع أخشاب ذلك السقف على تلك القناطر، فارتفع بسببه ذلك المكان من السقف الأعلى على بقية ما حوله منه، و صار الماشي بين السقفين في تلك الجهة يمشي منتصبا أو منحنيا قليلا، و كان لا يتأتى قبل ذلك المشي هناك إلا مع انحناء كثير، و تلك القناطر موضوعة على ما يحاذي صف الأساطين التي هي قبلة الروضة و المصلى الشريف من أولها و من جهة المشرق إلى الأسطوانة التي تلي المنبر من جهة المغرب و على ما يحاذي الصف الثاني و هو صف أسطوان عائشة