وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٧ - خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
اقسنقد في سنة سبع و خمسين و خمسمائة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها ذكرها بعض الناس و سمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد عمن حدثه من أكابر من أدرك أن السلطان محمودا المذكور رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ثلاث مرات في ليلة واحدة و هو يقول في كل واحدة: يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليس له غيرك، فتجهز و خرج على عجل بمقدار ألف راحلة و ما يتبعها من خيل و غير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها و الوزير معه، و زار و جلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أ تعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم، فطلب الناس عامة للصدقة، و فرق عليهم ذهبا كثيرا و فضة، و قال: لا يبقينّ أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة فامتنعا و قالا: نحن على كفاية ما نقبل شيئا، فجدّ في طلبهما، فجيء بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما و ما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال:
اصدقاني، و تكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما فأقرّا أنهما من النصارى، و أنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة باتفاق من ملوكهم، و وجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، و هما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، و يجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، هكذا حدثني عمن حدثه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار و ركب متوجها إلى الشام، انتهى.
و قد ساق المجد هذه الواقعة على الوجه الذي ذكره المطري فقال: و من الحوادث في المسجد الشريف ما نقله جماعة من مشايخ المدينة و علمائها، و ذكر ما تقدم، و كذلك الزين المراغي ذكر ما تقدم عن المطري نقلا عنه، و زاد أن وزير السلطان نور الدين الذي استحضره و ذكر له القصة هو الموفق خالد بن محمد بن نصر القيسراني الشاعر، قال: و كان موفقا، انتهى.
و مأخذه في ذلك- كما رأيته في حاشية بخطه على كتابه- أن الذهبي قال في ترجمة الموفق هذا: موفق الدين، أبو البقاء، صاحب الخط المنسوب، و كان صدرا، نبيلا، وافر الحشمة، وزر للسلطان نور الدين، توفي بحلب سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، انتهى.
و قد خالف الزين في ذلك ما قدمناه عن شيخه الأسنوي من تسمية الوزير المذكور بجمال الدين الموصلي، و لا يلزم من كون الموفق وزر للسلطان نور الدين أن يكون هو