الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٦٦
و أسامة بن زيد عنه (صلى اللَّه عليه و سلّم)، و أمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال.
و الجواب: أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و إنما سمعه من الفضل و أسامة عنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و هما من أهل الصّدق و الأمانة، و لكن لما ترجّح لديه حديث عائشة و أم سلمة رجع إليه، و ترك فتواه اتّباعا للحق، و أمّا حديث الفضل و أسامة، فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة (منها): أنه معارض بما هو أقوى منه، فيترك العمل به إلى الأرجح.
(و منها): أنه كان في مبدإ فرض الصّيام حين كان الأكل و الشّرب و الجماع محرّما بعد النوم، ثم أباح اللَّه ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة و أم سلمة ناسخ لحديث الفضل و أسامة، و لم يبلغهما و لا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه.
قال الحافظ ابن جحر: «و فيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق و رجوعه إليه» [١].
(ج)- قالوا:
روى أبو هريرة حديث: (لا عدوى و لا صفر و لا هامة)، فقال أعرابيّ:
يا رسول اللَّه، فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنها الظّباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها، قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم): «فمن أعدى الأوّل» [٢].
و روى أيضا حديث: «لا يوردنّ ممرض على مصحّ»،
أي: صاحب إبل مريضة على صاحب إبل صحيحة مخافة العدوي.
قالوا: و بين الحديثين تناقض إذ الحديث الأول ينفي العدوي و الثاني يثبتها، و النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) لا يتكلم بمثل هذا فدار الأمر بين كذب أبي هريرة أو نسيانه في الرواية فإن قلنا بكذبه ارتفعت الثقة بمروياته، و إن قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء و قوله فيه (فو الّذي نفسي بيده ما نسيت منه شيئا بعد).
[١] فتح الباري ٤/ ١٢٨.
[٢] أخرجه البخاري في الصحيح ٧/ ٢٣١ كتاب الطب باب الجذام .. إلخ حديث رقم ٥٧٠٧، ٧/ ٢٥٣ كتاب الطب باب لاهامه حديث رقم ٥٧٧٠، ٥٧٧٢. و مسلم في الصحيح ٤/ ١٧٤٣- ١٧٤٧ كتاب السلام (٣٩) باب الطيرة و الفأل و ما يكون فيه من الشؤم (٣٤) حديث رقم (١٠٢/ ٢٢٢٠، ١٠٤/ ٢٢٢١، ١٠٥/ ٢٢٢١، ١٠٧/ ٢٢٢٢، (١١١/ ٢٢٢٤)، ١١٢/ ٢٢٢٤)، (١١٣/ ٢٢٢٣)، (١١٤/ ٢٢٢٣) و ابن ماجة في السنن ١/ ٣٤ المقدمة باب ١٠ حديث رقم ٨٦ و أحمد في المسند ١/ ١٧٤، ٢/ ٢٤، ١٥٣، ٢٢٢، ٤٣٤، ٣/ ١٣٠، ١٧٣، ١٧٨، ٢٥١. و ابن أبي شيبة ٩/ ٤٠، ٤١، ٤٥- و الطبراني في الكبير ١٧/ ٥٤ و ذكره الهيثمي في الزوائد ٥/ ١٠٥- و الهندي في كنز العمال حديث رقم ٢٨٦، ٢٨٥٢٩٩، ٢٨٦٠٠، ٢٨٦٠٣، ٢٨٦١١.