الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٤٣
ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ. وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [١].
فانظر بعين البصيرة في هذه الأساليب، و القرآن مليء كلّه من هذه الأنوار على هذا الغرار.
و لا تحسبنّ السّنّة النّبوية إلّا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب، و هاك نموذجا بل نماذج منها.
ها هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) يبشر واصل رحمه بسعة الرزق و البركة في العمر فيقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه و أن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» [٢].
و ها هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همّه، و بالوعيد لمن جعل الدنيا همّه فيقول: «من كانت الآخرة همّه. جعل اللَّه غناه في قلبه، و جمع له شمله، و أتته الدّنيا و هي راغمة، و من كانت الدّنيا همّه جعل اللَّه الفقر بين عينيه، و فرّق اللَّه عليه شمله، و لم يأته من الدّنيا إلّا ما قدّر له» [٣].
[١] السجدة: ١٠- ٢٢.
[٢] أخرجه البخاري في الصحيح ٣/ ١١٩ كتاب البيوع باب من أحب البسط ... حديث رقم ٢٠٦٧، ٨/ ٨ كتاب الأدب باب من بسط له .. حديث (٥٩٨٥) و مسلم في الصحيح ٤/ ١٩٨٢ كتاب البر و الصلة و الآداب (٤٥) باب صلة الرحم و تحريم قطيعتها (٦) حديث رقم (٢٠/ ٢٥٥٧)، (٢١/ ٢٥٥٧)- و ذكره المنذري في الترغيب ٣/ ٣٣٥ و القرطبي في التفسير ٩/ ٣٣٠- و الدولابي في الأسماء و الكنى ١/ ١٠٨- و الهندي في كنز العمال حديث رقم ٦٩٦٥.
[٣] أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٥٤ كتاب صفة القيامة و الرقائق و الورع (٣٨) باب (٣٠) حديث رقم ٢٤٦٥ و ابن حبان في الموارد حديث رقم ٧٢ و ذكره المنذري في الترغيب ٤/ ١٢١ و الزبيدي في الإتحاف ٦/ ٣٩٠، ١٠/ ٨ و الهندي في كنز العمال حديث رقم ٨١٨٦.