الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ١٤
«و أرسلت إلى النّاس كافّة»،
قلنا: لو كان هذا حديثا واحدا كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من الرّواة، و لكن الّذي ينبغي أن يقال: إنهما حديثان، لأن حديث مسلم من رواية أبي هريرة، و فيه ست خصال، و حديث البخاريّ من رواية جابر و فيه خمس خصال.
و الظّاهر أنّ النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) قالهما في وقتين، و في حديث مسلم زيادة في عدة الخصال، و في سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، و ليس بنا ضرورة إلى حمل أحد الحديثين على الآخر إذ لا منافاة بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج و المعنى، و إن كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، و خرج كل من صاحبي الصّحيحين واحدا منها و لم يذكر الآخر.
فهذا الحديث الّذي ذكرناه عن مسلم و استدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدالة على شمول الرّسالة للجنّ و الإنس.
و من الأدلّة أيضا أن النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) خاتم النبيين و شريعته آخر الشرائع و ناسخة لكل شريعة قبلها، و لا شريعة باقية الآن غير شريعته، و لذلك إذا نزل عيسى ابن مريم (صلى اللَّه عليه و سلّم) إنّما يحكم بشريعة محمّد (صلى اللَّه عليه و سلّم) فلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، و هو خلاف ما تقرّر، و إمّا ألّا يكونوا مكلّفين أصلا، و لم يقل أحد بذلك، و لا يمكن القول به، لأن القرآن كله مليء بتكليفهم، قال تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ و قال قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ إلى غير ذلك من الآيات، و دخولهم النار دليل على تكليفهم، و هذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، و تكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها، فثبت أنّهم مكلّفون بهذه الشريعة كالإنس [١].
و قال ابن حزم الظّاهريّ:
قد أعلمنا اللَّه أن نفرا من الجن آمنوا و سمعوا القرآن من النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) ففيهم صحابة فضلاء. هذا و اللَّه تعالى أعلى و أعلم.
[١١]/ ٤٣٢ و البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١١٤، ٥/ ٤٥٥ و ذكره المنذري في الترغيب ٤/ ٤٣٣- و الهيثمي في الزوائد ٨/ ٦١، ٦٢ و الهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٠، ٣٢٠٥٩، ٣٢٠٦٠، ٣٢٠٦١، ٣٢٠٦٢.
[١] انظر فتاوى السبكي ٢/ ٥٩٤ و ما بعدها بتصرف.