الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ١٢
و منها قوله تعالى في سورة الجنّ: فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [١]، فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له و آمنوا بعد شركهم، و ذلك يقتضي أنّهم فهموا أنّهم مكلّفون به، و كذلك كثير من الآيات التي في هذه السّورة التي خاطبوا بها قومهم.
و منها قولهم فيها: وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ [٢]، و كذا قولهم: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [٣] الآيات.
و منها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ [٤].
فهذه الآية تقتضي أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيّا كان أو إنسيّا، و هي في الدّلالة كآية الفرقان أو أصرح، فإن احتمال عود الضّمير على الفرقان غير وارد هنا، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأنعام هذه، و تليها آية الفرقان، و تليها آيات الأحقاف، و تليها آيات الرحمن، و خطابها في عدّة آيات: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، و تليها سورة الجنّ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة و القوة كترتيبها في المصحف، و في القرآن أيضا ما يدلّ لذلك، و لكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث، و هو اعتماد جيد و هو هنا أجود، لأن الأمر بالإنذار، و المطلق إذا لم يتقيّد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده و في كلها، و هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) كامل الشفقة على خلق اللَّه، و النصيحة لهم و الدعاء إلى اللَّه تعالى، فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص، و لا في زمن من الأزمان، و لا في مكان من الأمكنة، و هكذا كانت حالته- (صلى اللَّه عليه و سلّم)، و يعلم أيضا من الشريعة أن اللَّه تعالى لم يرده قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ [٥] مطلق الإنذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التّشمير و الاجتهاد في ذلك، فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار، و الجن بهذه الصّفة، لأنه كان فيهم سفهاء و قاسطون و هم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) دعاءهم، و الآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، و منها كل آية فيها لفظ المؤمنين و لفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي و نحو ذلك فإنّ المؤمنين و الكافرين صفتان لمحذوف، و الموصوف المحذوف يتعيّن أن يكون النّاس بل المكلّفون أعمّ من أن يكونوا إنسا أو جنّا، و إذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال بما لا يعدّ و لا يحصى من الآيات كقوله تعالى:
[١] الجن: ٢.
[٢] الجن: ١٣.
[٣] الجن: ١٤.
[٤] الأنعام: ١٩.
[٥] المدثر: ٢.