الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٣٢
تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح و لا تبيان، فهذا كتاب اللَّه ينطق علينا بالحقّ، و يتحدّى بإعجازه كافّة الخلق، و هذا سحر النّبوّة يفيض بالدّراري و اللآلئ، و يزخر بالهدايات البالغة و الحكم الغوالي، و هذا تاريخ الأدب العربيّ يسجّل لأولئك العرب تفوقهم في صناعة الكلام، و سبقهم في حلبة الفصاحة كافة الأنام، و امتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصا بلاغة القرآن.
العامل السّادس:
التّرغيب في الإقبال على الكتاب و السّنّة علما و عملا، و حفظا و فهما، و تعليما و نشرا، و كذلك التّرهيب من الإعراض عنهما و الإهمال لهما.
ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [١].
فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصّلاة و إيتاء الزكاة؟ و نقرأ قوله جلّ ذكره:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [٢].
فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبّر القرآن و التذكّر و الاتّعاظ به.
و نقرأ قوله عزّ اسمه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [٣].
فتدبّر كيف يكون وعيد من كتم القرآن و هدى القرآن؟
ثم نقرأ في السّنّة النّبوية
قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم): «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه و يتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة، و غشيتهم الرّحمة، و حفّتهم الملائكة و ذكرهم اللَّه فيمن عنده»
[٤].
[١] [فاطر: (٣٠)].
[٢] [سورة ص آية: (٢٩)].
[٣] [البقرة: ١٥٩].
[٤] أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر و الدعاء و التوبة و الاستغفار (٤٨) حديث رقم (٣٨/ ٢٦٩٩) و أبو داود في السنن ١/ ٤٦٠ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم ١٤٥٥ و ابن ماجة في السنن ١/ ٨٢ المقدمة باب فضل العلماء و الحث على طلب العلم (١٧) حديث رقم ٢٢٥ و ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٨.