الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٤٨
فهل يستبيح عاقل منصف أن يقول: إن الصّحابة الذين سمعوا هذه النّصائح و تلك الزّواجر يقدمون على كذب في القرآن و السّنّة أو يقصرون في التّثبّت و التّحرّي و الاحتياط ..؟!!
العامل الثّالث:
أمر الإسلام لهم بالصّدق و نهاهم عن الكذب إطلاقا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [١].
ففي هذا إشارة إلى أن الصدق من مقتضيات الإيمان، و يفهم منه أن الكذب سبيل الكفر و الطغيان، و قد صرح اللَّه سبحانه بذلك في قوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ [٢].
و يقول النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم): «عليكم بالصّدق فإنّه من البرّ و هما في الجنّة، و إيّاكم و الكذب فإنّه من الفجور و هما في النّار» [٣].
و في الكتاب و السّنّة أضعاف أضعاف ما ذكر في الموضوع فهل بعد ذلك ترضى هذه الطبقة- الصحابة- أن تركب رأسها و تنكص على أعقابها فتكذب على اللَّه و رسوله أو لا تتحرى الصدق في كتاب اللَّه و سنة رسوله!! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين.
العامل الرّابع:
أن الصّحابة- (رضوان اللَّه عليهم)- كانوا مغرمين بالتّفقه و التعلّم مولعين بالبحث و التنقيب، مشغوفين بكلام اللَّه و كلام رسوله
روى البخاريّ و مسلم أن ابن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم): «اقرأ عليّ القرآن» [٤] قلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك و عليك أنزل؟ قال:
[١] [التوبة: ١١٩].
[٢] النحل: ١٠٥.
[٣] أخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ١٢٦٥ كتاب الدعاء (٣٤) باب الدعاء بالعفو و العافية (٥) حديث رقم ٣٨٤٨ و أحمد في المسند ١/ ٣، ٥- و الحميدي في مسندة ٧ و ابن حبان في الموارد حديث رقم ١٠٦ و البخاري في الأدب المفرد ٧٢٤- و ابن عساكر ٣/ ١٥٦.
[٤] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح ٨/ ٢٥٠ كتاب التفسير (٦٥) تفسير سورة النساء (٤) باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد (٩) حديث رقم ٤٥٨٢، و في ٩/ ٩٣ كتاب فضائل القرآن (٦٦) باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره (٣٢) حديث رقم (٥٠٤٩) و في ٩/ ٩٤ باب قول المقرئ للقارئ حسبك (٣٣) حديث (٥٠٥٠) و أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٥٥١ كتاب الصلاة المسافرين (٦) باب فضل استماع القرآن ... (٤٠) حديث رقم (٢٤٧/ ٨٠٠)، (٢٤٨/ ٨٠٠) و الترمذي في السنن ٥/ ٢٢٢ كتاب