الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٦١ - جبنهم و نزول السكينة
فإن فرار المسلمين لم يكن عن جبن، و إنما كان بسبب مفاجأة هوازن و ثقيف لهم، حيث شدوا عليهم شدة رجل واحد، و رموهم بالسهام حتى ما تكاد تخطئ لهم رمية، فاحتاجوا إلى السكينة، فأنزلها اللّه تعالى عليهم. .
و احتاجها أيضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأجل ما دخله من الحزن و الإضطراب و الأسف مما جرى على المسلمين. .
و الدليل على أن جبنهم ليس هو السبب: أنهم رجعوا إلى ساحة القتال، بمجرد سماعهم لنداء العباس.
و نقول:
إن ذلك لا يمكن قبوله. . و ذلك لما يلي:
أولا: إن ظاهر الآيات من سورة التوبة هو: أنهم قد فروا جبنا و خوفا، لأنهم اعتقدوا: أن كثرتهم تغني عنهم في ساحة القتال، و لم يفكروا: بأن عليهم أن يرجعوا إلى اللّه، و يعتمدوا عليه. . و لم يتذكروا ربهم الذي نصرهم في ثمانين موطنا.
ثانيا: إن الآيات المشار إليها إنما هي بصدد لومهم و تأنيبهم على فرارهم، و تولية أدبارهم، الأمر الذي يوجب لفاعله: أن يبوء بغضب من اللّه-كما دلت عليه الأية الشريفة: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ [١].
فتولية الأدبار المحرمة في الحرب توجب الغضب الإلهي، سواء أكان بسبب الإضطراب الناشئ من المفاجأة، أو بسبب الجبن. .
[١] الآية ١٦ من سورة الأنفال.