نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٣ - ٤- اللَّه المدرك
خرج بعض الأصحاب (رضي اللَّه عنهم) إلى الصحراء فطبخوا الطعام، فلما تهيأوا للأكل رأوا هنالك راعيا يرعى أغناماً فدعوه إلى الطعام، فقال الراعي: كلوا أنتم فانّي صائم. فقالوا له على سبيل الاختبار: كيف تصوم في مثل هذا اليوم الشديد الحرارة؟ فقال لهم: إنّ نار جهنم أشد حرّاً منه، فأعجبهم كلامه فقالوا له: بع لنا غنما من هذه الأغنام نعطك ثمنه مع حصة من لحمه، فقال لهم: هذه الأغنام ليست لي وإنّما هي لسيدي ومالكي، فكيف أبيع لكم مال الغير؟ فقالوا له: قل لسيدك إنّه أكله الذئب أو ضاع: فقال: أين اللَّه!؟ فأعجبهم كلامه زيادة الاعجاب، ثم لما عادوا إلى المدينة اشتراه ابن مسعود من مالكه مع الأغنام فأعتقه، ووهب الأغنام له، وكان ابن مسعود يقول له في بعض الأحيان بطريقة الملاطفة: أين اللَّه [١].
وهنالك نماذج كثيرة من هذا القبيل، منقولة في التأريخ والروايات الإسلامية، تدلّ على الأثر التربوي البليغ النابع من الإيمان بعلم اللَّه وبتواجده في كل مكان، وبكونه سميعاً وبصيراً، في الحجز عن المعاصي والذنوب.
٤- اللَّه المدرك
عدّ علماء العقائد صفة «المدرك» من احدى صفات اللَّه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حيث قال: «لَاتُدْرِكُهُ الْابْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْابْصَارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ».
(الأنعام/ ١٠٣)
قال المتكلمون: إنّ المدرك بمعنى السميع والبصير، وعليه فهذه الكلمة تجمع كلتا الصفتين [٢].
وقد قال الراغب في المفردات: بأنّ «الإدراك» معناه الوصول إلى نهاية الشيء، لكن البعض فسروها بالمشاهدة العينية، والبعض الآخر قالوا: إنّها بمعنى المشاهدة ببصيرة القلب.
[١] تفسير روح البيان، ج ٨، ص ١٨٨.
[٢] شرح التجريد: «في أنّ اللَّه سميع بصير».