نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - ٥- اللَّه عزّ وجلّ ليس جسماً
وبما أنّ كلّ إفراطٍ يتبعه تفريط، فقد ظهر في مقابل هؤلاء جماعة احترزوا عن التشبيه إلى درجة أنّهم كانوا يقولون: إذا حرّك أحد يديه أثناء قراءة آية «خَلَقْتُ بِيَديَّ» وجب قطع يديه! أو إذا أشار باصبعيه عند قراءة هذه الرواية الواردة عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال: «قلبُ المؤمن بين إصبعَين من أصابع الرحمن». وجب قطع كلا إصبعيه»! [١].
وعلى أيّة حال يظهر أنّ هذه العقائد السخيفة الركيكة بخصوص جسميّة اللَّه تعالى تنبع من أحد أمرين:
الأول: الأنس المفرط بعالم المادّة والمحسوسات، الأنس المصحوب بالسّذاجة والجهل الذي لا يسمح للأنسان تقبَّل شيء غير المادّة، الأنس الذي يؤدّي إلى مقايسة اللَّه عزّ وجلّ بالانسان وصفاته.
الثاني: التعابير الكنائية والمجازيّة الملحوظة في القرآن الكريم والروايات الإسلامية، حيث يمكن أن يتوهّم السُّذَّج منها الجسميّة.
ولكن بالإلتفات إلى نقطة واحدة يتّضح بأنّ قبول فكرة الجسميّة بالنسبة للَّهتعالى يُساوي نفي إلوهيته، ونفي وجوب وجوده، لأنّ كُلّ جسمٍ يتشكل من أجزاء، ولابدّ له من لزوم المكان والزمان، وكونه معرضاً للحوادث والتغيُّرات ويتجه دائماً نحو الهلاك والفناء، وتكفي كل واحدةٍ من هذه الصفات لنفي إلوهية اللَّه ووجوب وجوده.
مضافاً إلى ذلك أنّه لو كان جسماً لكان له شبيه ومثيل، ونحن نعلم أنّ آيات متعددة من القرآن الكريم نفت عن اللَّه تعالى أى شبيهٍ أو مثيل.
ونختم هذا الكلام بحديثٍ منقول عن الإمام الكاظم عليه السلام: «ذكر عنده قوم زعموا أنّ اللَّه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: إنّ اللَّه لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء) ....، ولم يحتج إلى شيء بل يُحتاج إليه، أمّا قول الواصفين:
إنّه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرك به فمن ظن باللَّه الظنون فقد هلك وأهلك، فاحذروا في
[١] الملل والنحل، ج ١، ص ٩٧.