نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - ٤- الرجوع إلى أدلّة العدل الإلهي
أفَسَقِمَ الأفراد حتى أنكروا كل حقيقة، أم اضطرّ الذين وقعوا في حصار مسائل اخرى (كمسألة الجبر والتفويض)، إلى إنكار مثل هذه الأمور؟
الدليل الثاني: يُمكن تلخيص منابع الظلم في عدّة أمور من خلال تحليل واضح:
وينشأ الظلم أحياناً من (احتياج الإنسان)، وعوضاً من أن يصل الظالم إلى مقصوده ويسدّ حاجته ببذل الجهود والمساعي الصحيحة، يسعى لتأمين حوائجه عن طريق غصب حقوق الآخرين.
وأحياناً ينشأ من (الجهل) وعدم الإطّلاع، فالظلم لا يعلم الحق ولا يدرى ماذا يصنع وأي ذنبٍ يرتكب!
وأحياناً ينشأ الظلم من (عبادة الهوى) و (الأنانية)، لأنّ الظالم يعجز عن الوصول إلى مقصوده، ولا يستطيع أن يضبط نفسه أمام فقدان الشيء فيلتجىء إلى الظلم.
وأحياناً ينشأ الظلم من (دافع الإنتقام) و (الحقد)، فينتقم الإنسان أضعاف ما لاقاه من الظلم.
وقد يكون الظلم صادراً من الضعف والعجز، فحين يعجز الظالم من تحقيق أهدافه ولا يتمكن من السيطرة على نفسه، يلتجىء إلى ظلم الآخرين.
وأحياناً قد ينبع الظلم من (الحَسد)، فالحسود الذي يُعاني من نواقص معينة، ولا يستطيع أن يشاهد غيره منعّماً ومرفّهاً فينازعه ليسلب منه النعمة بالظلم والجور، وما شاكل هذه العوامل والدوافع التي تحكي جميعها عن وجود نوع من النقصان والإنحطاط.
اذن، فكيف يُمكن في هذه الحالة أن يصدر الظلم والجور من الوجود الذي هو عين الكمال المطلق، في حين أنّه منزّةٌ عن الحاجة والجهل والضعف والأنانية والغرور والحقد والانتقام، ولا يوجد من هُو أكمل منه ليحسده، ولا يستطيع أحد أن يسلب منه الكمال لكي يدفعه ذلك إلى الإنتقام؟
فهل يصدر شيء من مثل هذا الرب سوى الخير والعدل والرأفة والرحمة؟
وإن يعاقب الظالمين فبما كسبت أيديهم، فما هو بحاجة إلى معاقبتهم، ولا ذنب المذنبين يمس ساحة كبريائه.