نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥ - ٥- أسئلة مهمة حول علم اللَّه
نستحضر في أذهاننا صوره فحسب، لأنّ علمنا علم حصولي يتحقق بواسطة المفاهيم والصور الذهنية فقط، وبما أنّ علم اللَّه علمٌ حضوري فهو لايعرف أي لون من الوساطة والمفاهيم، فكيف يمكن تصوُّر علمه بالحوادث الماضية؟
الجواب: يمكن الإجابة عن هذا السؤال والإشكال بثلاث طرق:
١- إنّ اللَّه محيط دائماً بذاته المقدّسة التي هي علّة جميع الكائنات، وهذا العلم الإجمالي بجميع حوادث وموجودات الوجود أزلي وأبدي (أي قبل الإيجاد وبعده).
وبتعبير آخر لو علمنا علل الأشياء، لاستطعنا أن نعلم نتائجها ومعلولاتها أيضاً، لأنّ كُل علّة تستبطن جميع كمالات معلولها وأكثر.
ويمكن شرح هذا الكلام بشكل أوضح كما يلي: إنّ الحوادث الماضية لم تنمح تماماً، فإنّ آثارها موجودة في طيّات الحوادث الآنية، وكذلك بالنسبة إلى الحوادث المستقبلية فهي غير منفصلة عن الحوادث الآنية، ولها علاقة معها، وعليه ف «الماضي» و «الحاضر» و «المستقبل» يشكلون معاً سلسلة شبيهة بالعلة والمعلول، بحيث لو اطّلعنا على كل واحدة منها بدقّة، لشاهدنا فيها الحلقات القبلية والبعدية لهذه السلسلة.
فمثلًا لو أحَطْتُ علماً وبدقّة بمناخ جميع الكرة الأرضية، وبكل مميزاته، وجزئياته، وعلله، ومعلولاته، وحركة الكرة الأرضية، ومسألة الفعل ورد الفعل، لاستطعتُ أن احيط علماً بوضعية المناخ قبل أو بعد ملايين السنين بصورة دقيقة. لأنّ شواهد الماضي والمستقبل موجودة فعلًا، لا الشواهد الإجمالية بل تفصيلات الشواهد المنعكسة في جزئيات الحاضر.
فالحاضر يعكس الماضي، والمستقبل يعكس الحاضر، والاحاطة العلمية الكاملة بجزئيات الحاضر، معناها الإحاطة الكاملة بحوادث الماضي والمستقبل.
لذا فعندنا تكون حوادث الحاضر ماثلة بين يدي اللَّه تعالى بجميع خصوصياتها، فإنّها بمعنى مثول الماضي والمستقبل أيضاً بين يديه عزّ وجل.
فالحاضر مرآة للماضي والمستقبل، ويمكن مشاهدة جميع الحوادث الماضية والمستقبلية في مرآة الحاضر (فتأمل).