نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - جمع الآيات وتفسيرها
وقد اعتقد بعض المفسّرين بأنّ التعبير بكلمة (أصدق) يخص الكميّة فقط (أي مَن هو أكثر صدقاً في الموارد)، لا الكيفيّة، لأنّ الكلام الصادق هو ما طابق الواقع وإلّا فهو كذب، ولا يُمكن تصوُّر الزيادة والنقصان في كيفيته [١].
ولكن الحق هو إمكانية تصوُّر درجات مختلفة للصدق من حيث الكيفيّة، وهو عندما يكون الواقع ذا أبعاد مختلفة، فمن المسلَّم أنّ المتكلّم الذي يُطابق كلامه الواقع في جميع الأبعاد يُعتَبر أصدق ممن يُطابق كلامه الواقع في أبعاد مُعينَّة.
فمثلًا عندما يُشبّهُ مؤمنٌ (بسلمان الفارسي)، والآخر يُشبَّهُ (بأبي ذر)، فمن المسلَّم أن أصدقهما هو من أخذ بنظر الإعتبار في تشببهه أبعاداً أكثر.
واللَّه أصدق حديثاً ممن سواه، إنّما هو كذلك، لكون منشأ الكذب إمّا من الجهل وعدم معرفة الواقع، أو من الضعف والعجز والحاجة، ولكون ذاته المقدّسة منزّهة عن جميع هذه الصفات، فهو أصدق حديثاً.
وتحدثت الآيتان الثالثة والرابعة عن صدق اللَّه في وعوده، لكن الآية الثالثة تحدثت عن الوعد الإلهي حول النصر على الأعداء في معركة أُحد، حيث انتصر المسلمون في البداية طبق هذا الوعد، لكن تثاقل وعصيان جماعة منهم أدت إلى انكسارهم في نهاية الأمر، قال تعالى: «وَلَقْدَ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ»، ولكن اختلافكم وتماهلكم وعصيانكم في نهاية الأمر أدّى إلى انكساركم، والتقصير إنّما جاء من عندكم، ولم يخلف اللَّهُ وعدَهُ.
وكان هذا ردّاً على من كانوا يعتقدون بأنّ هزيمتهم في معركة أُحد، هي خلاف للوعد الإلهي.
أمّا الآية الرابعة فقد تحدثت عن لسان حال المؤمنين حول واقعة الأحزاب، حيث إنّهم عندما وقفوا أمام جيش الأحزاب قالوا: «هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ».
[١] تفسير روح المعاني، ج ٥، ص ٩٥، ذيل الآية ٨٧ من سورة النساء.