نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١ - كل الخلائق تسج للَّه
والثاني: بمعنى السباحة والتحرُّك السريع في الماء، (من مادّة سبح وسباحة).
ولكن يُمكن إرجاع كلا هذين المعنيَين إلى أصل واحدٍ وهو الحركة السريعة، سواءً في طريق العبادة والتعبُّد، وتنزيه وتقديس اللَّه تعالى عن كل عيبٍ ونقص، أو في الحركة السريعة في الماء، أو الهواء، أو على الأرض. لأنّ الحركة تقرّب الإنسان من شيء وتُبعّده عن شيءٍ آخر.
ففي الموقع الذي تعني فيه التنزيه عن العيب تأخذ جانب الابتعاد، وفي الموقع الذي تأتي فيه بمعنى السباحة وشق الماء والهواء تأخذ جانب التحُّرك [١].
جمع الآيات وتفسيرها
كل الخلائق تسج للَّه:
الآية الأولى من بحثنا واردة في تسبيح عامّة موجودات العالم، وهذا ما أكدته الكثير من الآيات القرآنية بتعابير مختلفة، ويُعتبر هذا البحث من البحوث القرآنية الطريفة جدّاً، قال تعالى: «يُسَبِّحُ للَّهِ مَا فِى السَّماوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكْيِمِ».
فَلِسان حال الكون وأسراره المذهلة تحكي عن علم اللَّه تعالى اللامحدود وقدرته اللامتناهية وكماله المطلق، والجميع يقدسون اللَّه عزّ وجلّ وينزّهونه وينفون عن ذاته المقدّسة كُلّ عيبٍ ونقص، لأنّ كل من ينظر إلى هذه الموجودات بدقّة يقف على عظمة خالقها ومديرها ومدبّرها.
ويعتقد جماعة من المحققين أيضاً أنّ موجودات العالم المختلفة تُسبح اللَّه تعالى حقيقة، وبلسان القال لا بلسان الحال فقط، لأنّ لكل نوعٍ منها حصّة من الإدراك والشعور والكيفية الخاصة لتقديس الباري تعالى، وما المانع في تحقُّق كلا الأمرين (لسان الحال والقال) في بيان هذه الحقيقة؟
لذا فإنّ كلمتي (يُسبّح) و (القدوس) في هذه الآية الشريفة تُعّدان كلاهما إشارة لطيفة
[١] مقاييس اللغة؛ مفردات الراغب؛ مصباح اللغة؛ لسان العرب؛ والتحقيق في كلمات القرآن الكريم مادّة (سبح).