نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - حكيم لأنّه وضع طريقاً للرجعة
هو الحكيم الخبير:
ونلاحظ استعمال الآية الثالثة تعبيراً آخر وهو ذكر صفتي «الحكيم والخبير» في موضع واحد، قال تعالى: «كِتَابٌ احْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ».
قال الزمخشري في كشّافه: «تشير هاتان الصفتان إلى فعلين إلهييّن ذكرتهما الآية في البداية، أي أنّ الآيات القرآنية محكمة ومتوازنة لأنّها صادرة من لدن حكيم، ومفصّلة لأنّها صادرة من لدن خبير وعليم بكل شيء» [١].
حكيم لأنّه وضع طريقاً للرجعة:
في الآية الرابعة نلاحظ وجود تعبير قرآني جديد وهو اقتران صفة «الحكيم» بصفة «التوّاب»، قال تعالى: «وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَانَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ».
وردت هذه الآية بعد مجموعة من الآيات المتعلقّة بمسألة اللّعان (وهو إذا اتهم رجل زوجته بالزنا- والخروج عن جادة العفاف ولم يكن لديه أربعة شهود على ادعائه: وجب أن يجلد ثمانين جلدة وفق قانون القذف، لكن القرآن أسقط عن الزوج هذا الحكم شريطة أن يحلف باللَّه خمساً كما ورد تفصيله في آيات سورة النور، لكن زوجته ستكون محل تهمة في هذه الحالة، وتدرء الاتهام عنها في حال أدائها اليمين الخماسي أيضاً، وفي هذه الحالة فسوف تحرم الزوجة على زوجها إلى الأبد.
بالالتفات إلى هذه المسألة يتضح أنّ علاقة صفتي «التواب» و «الحكيم» مع محتوى الآية وثيقة جدّاً، حيث وضع سبحانه وتعالى أمام الطرفين طريقاً للتوبة والرجوع، لكي يتمكن الذي افترى على صاحبه من العودة إلى مواصلة الحياة الزوجية وبتحمل عقوبة القذف، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ونظراً لكون الزوجين أكثر اطلاعاً على بعضهما، ولِتعسُّر إقامة الدليل على مثل هذه المسائل الخاصة غالباً، فإنّ اللَّه تعالى قد صان حقوق
[١] تفسير الكشاف، ج ٢، ص ٣٧٧.