نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - قدرته تعالى على تبديل الأقوام
أكدت هذه الآية أيضاً على أنّ خلق السموات والأرض بعظمتها وتنوّعها دليلٌ على قدرة الباري على إحياء الموتى من جهة، وقدرته على كل شيء من جهةٍ اخرى، لأنّ جميع ما يمكننا تصوّره إنما هي نماذج في عالم الوجود. والموت والحياة، وكذلك الكائنات المجهرية والمخلوقات العظيمة جدّاً بكل أبعادها ومن كل شكلٍ ولونٍ ونوع وجنس، فخلقها من قبل الباريتعالى، يُعد أفضل دليل على شمولية وهيمنة القدرة الإلهيّة.
قدرته تعالى على تبديل الأقوام:
ذكرت الآية الثامنة مسألة القدرة الإلهيّة بقَسَم إلهي عميق المغزى، قال تعالى: «فَلَا اقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ». (المعارج/ ٤٠)
قد يُشكِل ذوي الملاحظة السطحية ويقولون: كيف يصح إثبات القدرة الإلهيّة بقَسمِهِ سبحانه؟ ويتضح الجواب عن هذا السؤال من محتوى القسَم (ربّ المشارق والمغارب)، لأّن (المشارق والمغارب) إشارة غنيّة جدّاً إلى خلق العالم العظيم بنظامه الدقيق، ففي كلّ يوم تشرق الشمس من مشرق جديد وتغرب في مغربٍ جديد، واستمرار هذه العملية على مدى ملايين السنين، وخلق الشمس بعظمتها هذه، وخلق الكرة الأرضية بكل أسرارها، والنظام الدقيق الذي يتحكم في حركتهما، لَخَيْر دليلٍ على شمول القدرة الإلهيّة لكُلّ شيء، ومنها تبديل جماعة من الكفار المعاندين بأُناسٍ خيرٍ منهم.
هذا فيما إذا فسّرنا القَسَم الوارد في هذه الآية بأنّهُ يتعلِّق بمشارق الأرض ومغاربها طبعاً، أمّا إذا فسّرناه بمشارق ومغارب الكرات والمنظومات الشمسيّة الفضائية، لاتضح سعة معناه بصورة أفضل.
والنكتة اللطيفة في أنّ اللَّه تعالى يُقسم نيابة عنهم برب المشارق والمغارب بأنّه قادر على تبديل الأقوام بآخرين خيرٍ منهم، هي التنبيه إلى أنّ القادر على إخفاء هذه الشمس العظيمة في افق المغرب وإظهارها في اليوم التالي من مشرقٍ جديد، لَقادر على تبديل هؤلاء القوم بخيرٍ منهم.