نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧ - قدرته مقرونة بحكمته
جمع الآيات وتفسيرها
قدرته مقرونة بحكمته:
الجدير بالذكر أنّ الصفات التي وصف اللَّه تعالى ذاته المقدّسة بها في ذيل الآيات القرآنية المذكورة لها علاقة وثيقة وخاصّة مع محتوى هذه الآيات، بحيث إنّ التدقيق في هذه المسألة يُرشد إلى نقاط مهمّة، ومع أخذ هذه الإلتفاتة بنظر الاعتبار نحاول تفسير الآيات المذكورة.
بعد أن ذكر سبحانه وتعالى في الآية الأولى قسماً من الواجبات الإسلامية حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وما شاكل ذلك، وبعد التذكير بشمول رحمته عباده المطيعين، قال عزّ وجل: «انَّ اللَّهَ عَزِيْزٌ حَكِيمٌ».
«العزيز»: من «العزّة» أي عدم المغلوبية، والأصل في استعمالها هو في التعبير عن الأشياء الصلبة التي لا ينفذ فيها شيء، وعليه فإنّ صفتي «عزيز وحكيم» هنا تدلان على قدرته وعلمه اللامتناهيان.
والجدير بالذكر هو أن هاتين الصفتين قد وردتا معاً في الكثير من الآيات القرآنية، وأكثر ماورد ذكرهما في الآيات التي تحدّثت حول تشريع الأحكام، وبعث الأنبياء، ونزول القرآن (كالآيات ١٢٩ و ٢٠٩ و ٢٢٨ من سورة البقرة، والآية ٢ من سورتي الجاثية والأحقاف)، وذلك للتذكير بأنّ اللَّه تعالى قد فصّل جميع ما يحتاجه البشر بتشريع القوانين وإنزال القرآن بدّقة متناهية، لأنّه علاوةً على كونه حكيماً وعليماً، فهو قادر على هذا العمل أيضاً.
وبتعبير آخر، إنّ أفضل القوانين يُشرعها من هو أعلم وأكثر اقتداراً من الجميع، وهو اللَّه ولا أحد غيره.
وما ذُكر في قسم من الآيات التي ختمت بصفتي «عزيز حكيم» عن خلق السماء والأرض، وتسبيح الكائنات لله تعالى، أو تنظيم خلقة الجنين، وما شاكل ذلك (كالآية ١ من سورة الحديد، والآية ٢٤ من سورة الحشر، والآية ٦ من سورة آل عمران)، بمثابه كناية عن كون عالم التشريع ليس لوحده قائماً في ظلّ علم اللَّه تعالى وحكمته، بل إنّ عالم التكوين كذلك أيضاً.