نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٤ - جمع الآيات وتفسيرها
أمّا الآية السابعة فقد وُصِفَ فيها الباري بصفة «خَيْرُ الغَافِرِينَ»، يقول الفخر الرازي حول هذا الموضوع: «إنّ سبب وصفه تعالى بهذه الصفة هو لكون الآخرين إِنْ غفروا ذنباً إمّا لكسب مدح وثناء الناس، أو للحصول على الثواب الإلهي الجزيل، أو لدفع قساوة القلب، وخلاصة الكلام إنّ عفو وغفران الناس لبعضهم إمّا لكسب منفعةٍ، أو لدفع ضررٍ ما، في حين أنّ الغفران الإلهي ليس كذلك أبداً، بل هو نابعٌ من فضله وكرمه لا غير» [١]. وعلاوةً على هذا فإنّ حقوق الناس على بعضهم حقيرة جدّاً بالقياس مع الحقوق الإلهيّة، وعفوهم في هذه الحقوق الحقيرة قليلٌ جدّاً أيضاً، والوحيد الذي يتجاوز عن عظيم الحقوق والخطايا، ورحمته ومغفرته غير مشروطةٍ بشيء هو اللَّه سبحانه وتعالى، لذا هو «خَيرُ الغَافِرِينَ».
أضف إلى ذلك أنّه تعالى لايغفر ذنوب عباده فقط، بل ويستر عليهم أيضاً ليحفظ كرامتهم في الدنيا والآخرة، ولا يُفتضحون أمامَ الخلائق، بل وأحياناً يُبدّل سيئاتهم حسنات شريطة أن لا يخرقوا جميع الحجب، وأن يكون لديهم استعداد قليل لتقبّل كل هذا اللطف والإحسان.
إنَّ معرفة سبب نزول الآية المذكورة، التي تحكي عن بني إسرائيل وارتكابهم أحد أكبر الذنوب وهو طلبهم رؤية اللَّه بالعين الظاهرية كشرط مُسْبَق لإيمانهم به، يُبيّن عمق مفهوم هذه الصفة الإلهيّة أي (خير الغافرين).
ووُصِفَ الباري في الآية الثامنة بصفة: «خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ».
فبعد أن أشارت الآية إلى قصّة نوح والطوفان العظيم الذي أصاب قومه، ذكرت دعاء نوح عليه السلام بعد أن هدأ الطوفان ورست سفينته: «ربِّ انزلني مُنزلًا مباركاً وأنت خير المنزلين».
ويُمكن أن تكون كلمة «منزل» اسم مكان أي (مَنزِلًا) أو مصدر ميمي بمعنى (النزول والهبوط).
وعلى أيّة حال: فمن الواضح أنّ النزول من السفينة في تلك الظروف العصيبة، وبالنظر
[١] تفسير الكبير، ج ١٥، ص ٢٠.