نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢ - توضيح وبلاغ
وقد ورد في حديثٍ نبوي تعبيرٌ عجيب يبيّن أهميّة العفو، قال صلى الله عليه و آله: «إنّه يُنادي منادٍ يوم القيامة من كان له على اللَّه أجرٌ فليقم، فلا يقوم إلّاالعافون، ألم تسمعوا قوله تعالى «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»» [١]. (الشورى/ ٤٠)
طبعاً أنّ العفو ليس مسألة أخلاقية فقط، بل هو مسألة اجتماعية مهمّة، لأنّه لو بُني مجتمع معين على أساس الإنتقام وسفك الدماء لحل الجدال والنزاع الذي يحدث بينهم ولما عُرف طعمٌ للعزّة والسكينة أبداً، لذا فقد ورد في حديثٍ نبويّ، أنّه صلى الله عليه و آله قال: «عليكم بالعفو فإنّ العفو لا يزيد العبد إلّاعزّاً» [٢].
و اصطلاح (توّاب) هي صيغة مبالغةٍ مشتقة من مادّة (توبة) و (التوبة)- حسب رأي مقاييس اللغة- تعني (العودة والرجوع)، وتستعمل عادةً في مجال (الرجوع عن الذنب)، كما ورد ذلك في لسان العرب.
لكن للراغب الإصفهاني تعبير آخر في المفردات حول تفسير هذه الكلمة، وهو: (التوبة) ترك الذنب بأفضل وجهٍ ممكن، وقسّم الإعتذار ثلاثة أقسام:
الأول: هو أن يقول أحد: (إنني لم أرتكب هذا الذنب أبداً)، الثاني: أن يقول: (قد فعلت ذلك ولكنْ بدليل كذا وكذا أي يُبرر فعلته)، والثالث: أن يقول: (فعلت وأسأت ولن أفعل هذا فيما بعد) فمعنى التوبة هذا (أي الوجه الثالث) ولا رابع لها.
وعلى أيّة حال، فعندما تختصّ هذه الصفة باللَّه تعالى فإنّها تعني إمّا قبول توبة العباد، أو توفيقهم إلى التوبة، كما قال المرحوم الكفعمي في مصباحه.
والجدير بالإنتباه أنّ كلمة (توبة) في القرآن الكريم عندما تُنسب إلى العباد تتعدّى بحرف (إلى) مثل: «تُوبُوا إِلَى اللَّهِ». (التحريم/ ٨)
وعندما تُنسب إلى اللَّه تتعدى عادة بحرف الجر (على).
وهذا التفاوت في التعبير يشير ظاهراً إلى نقطة لطيفة وهي: أنّ التوبة على أيّة حال تعني
[١] سفينة البحار، ج ٢، ص ٢٠٨.
[٢] اصول الكافي، ج ٢، ص ١٠٨، باب العفو، ح ٥.