نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - توضيح وبلاغ
الرجوع من الذنب، ولكن رجوع العباد من الذنب يتحقق بترك الذنب والإعتذار، أمّا رجوع اللَّه فيتحقق بإرجاعه لهم اللطف والرحمة اللتين منعهما عنهم بسبب اقترافهم ذلك الذنب المعيّن، ولأنّ الرجوع هنايخص مقاماً عالياً وسامياً عُبّر عنه بكلمة (على) التي تستعمل في موارد العلو عادةً.
وذكر هذه الصفة (توّاب) بشكل صيغة مبالغة يشير أيضاً إلى هذه النقطة وهي: لو أذنب العبد وتاب مرّة أو مرّات، ثم تراجع عن توبته فلا ييأس من عفو اللَّه ورحمته لأنّه تعالى توّاب أي (كثير التوبة).
والأثر التربوي للتوبة غير خافٍ على أحد، لأنّه لو كانت أبواب التوبة مغلقة في وجه العباد لكفى ذنب واحد لإقناطهم من اللطف الإلهي، والرمي بهم في دوّامة ذنوبٍ أكبر، أمّا عندما يُشاهدون هذا الباب مفتوحاً أمامهم، وبحر الرحمة الإلهيّة واسعاً (بحكم كونه تعالى توّاباً)، فسيندفعون إلى الرجوع من ذنوبهم وإصلاح وجبران ماصدر منهم، ويُعَدُّ هذا بحد ذاته سُلَّماً للتكامل الإنساني.
ومن جهةٍ اخرى فانّها تعطي الناس هذا الدرس وهو أن لا يتشددوا تجاه أخطاء أصحابهم، ويفتحوا أمامهم طريق العودة والإصلاح، ويعطوا لغيرهم مايؤملونه من ربّهم، أي العفو.
والتعابير الواردة في الروايات الإسلاميّة بصدد التوبة من الظرافة والجمال بحيث تجذب الإنسان إلى مثل هذا الخالق التوّاب، وتوقدُ في قلبه جذوةَ العشق الإلهي.
ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «إنّ اللَّه تعالى أشدُّ فرحاً بتوبة عبده مِنْ رجُلٍ أضَلَّ راحلَتَهُ وزادَهُ في ليلةٍ ظلماءَ فَوجَدَها» [١].
وفي حديثٍ آخرَ عن النبي صلى الله عليه و آله وصف به التوبة بأنّها أحبُّ الأعمال إلى اللَّه تعالى حيث قال: «وليس شيء أحبُّ إلى اللَّه من مؤمنٍ تائبٍ أو مؤمنةٍ تائبة» [٢].
[١] أصول الكافي، ج ٢، ص ٤٣٥ باب التوبة، ح ٨.
[٢] مستدرك الكلام البحار، ج ٦، ص ٢١، باب التوبة وأنواعها، ح ١٥.