نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٠ - ٦- تبريرات المخالفين
يقال: نَحَّوا الشخص الفلاني عن عرشه أي سُلبَت سلطتُهُ. أو فلانٌ فُلَّ عرشُهُ، أي انتهت حكومته، أو إنَّ الحادثة الفلانية هزَّتْ أركان عرشِ فلان أي زلزلت سلطتهُ، ومن قبيل هذه التعابير.
وَعليه فعرش اللَّه معناه العالم العلوي، وكرسيُّهُ معناه العالم السفلي، أو إنّ العرش إشارة إلى عالم ما وراء الطبيعة والمجرّدات، والكرسي إشارة إلى عالم المادّة، والشاهد على هذا الكلام آية: «وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَواتِ وَالأَرضَ». (البقرة/ ٢٥٥)
فعندما يكون كُرسي اللَّه قد وسع جميع السموات والأرض فإنّه يعني أنّ عرشه ما وراء السموات والأرض، أي ما وراء عالم الطبيعة [١].
بناءً على ذلك فحينما يُقال: الرحمن على العرش استوى، فالمقصود منه أنّ حاكميته، ومالكيته، وسلطته شملت العالم العلوي بوسعه، والعالم السفلي بتمامه.
وهذا الأمر واضحٌ جدّاً، ويُمكن للآيات القرآنية التي تنفي وجود مكان للَّه (وأوردناها في بداية الكلام)، أن تكون خير دليلٍ على تفسير هذا الأمر.
ورد في تفسير الميزان أنّ الآية التي تلت هذه الآية (طه/ ٦) تقول: «لَهُ مَا فِى السَّماوَاتِ وَمَا فِى الأَرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحتَ الثَّرَى»، وهي قرينة واضحة لتفسيرها [٢].
وردَّ الفخر الرازي في تفسيره على استدلال المشبِّهة، بهذه الآية على جلوس اللَّه على عرشه، بعشر أدلة عقليّة ونقليّة، من جملتها: إنّ اللَّه كان موجوداً قبل خَلق العرش أو أي مكانٍ آخر، فهو لم يكُن محتاجاً إلى المكان منذ الأزل، فكيف يُمكن أن يحتاج إلى مكان بعد خلق العرش؟!
والآخر هو: لو أنّ اللَّه تعالى جالسٌ على عرشه وفقاً لتصور هذه الجماعة لاستلزم أن يكون جزء من وجوده الكائن على يمين العرش غير الجزء الموجود على يساره! ولاستلزم
[١] لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك ممّا يردف الملك، جعلوه كنايةً عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون مُلك وإن لم يقعد على السرير البتة، الكشاف ج ٣، ص ٥٢.
[٢] تفسير الميزان، ج ١٤، ص ١٣١.