نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - و هو معكم أينما كنتم!
قال بعض المفسّرين: إنّ هذه الآية خير دليلٍ على هذا الموضوع، وهو عدم تواجد اللَّه في السماء، لأنّه يقول: «فِى السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِى الأَرضِ الهٌ» ويعني أنّ نسبة وجوده في السماء وفي الأرض متساوية، وبما أنّ الأرض لا تعتبر مكاناً له، فكذلك السماء أيضاً [١].
وقال البعض الآخر من المفسّرين: إنّ مقصود هذه الآية هو أنّه معبود في السماء وفي الأرض، فالملائكة تعبده في السماء وفي الأرض تسجد له موجوداتها.
وفي حديثٍ ظريف ورد أنّ أحد زنادقة عصر الإمام الصادق عليه السلام وهو «أبو شاكر الديصاني» قال لهشام بن الحكم: إنّ في القرآن آية هي قولنا. قلت: وما هي؟ فقال: «وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ الهٌ وَفِى الأَرضِ الهٌ»، فلم أدر بما أجيبه! فحججت فخبرت أبا عبد اللَّه عليه السلام فقال: هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل: ما إسمك بالكوفة فانّه يقول: فلان، فقل له: ما اسمك بالبصرة؟ فانّه يقول: فلان، فقل كذلك اللَّه ربّنا في السماء إلهٌ، وفي الأرض إله، وفي البحار إله وفي القفار إله، وفي كل مكان إله، قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال: هذه نقلت من الحجاز [٢].
إنّ هذا التعبير يُعَدُّ إشارةً إلى أنّ اللَّه تعالى لا مكان له من جهة، وحضوره في كل مكان من جهة اخرى، كقولنا: (إثنان زائد اثنين يساوي أربعة)، فإنّ هذه المعادلة الرياضية كما أنّها في الأرض، كذلك فانّها في السماء وفي جميع المجرّات، وفي نفس الوقت ليس لهذه المعادلة الرياضيّة محلٌّ معين، فيمكن أن نقول: بانّها في كل مكان وليس لها مكان في آنٍ واحد.
و هو معكم أينما كنتم!
تقول الآية الثالثة بصراحة «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم». ولأنّه كذلك فهو بما تعملون بصير: «وَاللَّه بَمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
[١] تفسير الكبير، ج ٢٧، ص ٢٣٢.
[٢] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٦١٧، ح ٩٨.