نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧ - و هو معكم أينما كنتم!
يُشير هذا التعبير بوضوح إلى أنّه جلّ وعلا لا مكان له، أو بتعبير آخر، هو فوق الزمان والمكان، ولهذا فهو حاضر في كُلّ مكان وقد أحاط بكُلّ شيءٍ علماً.
قال بعض المفسرّين- كما ورد في تفسير (روح المعاني): يجب تأويل هذه الآية وحملها على المعنى المجازي والقول بأنّ المقصود منها هو: (علمهُ بنا لا ذاته المقدّسة).
وهؤلاء غافلون عن أن علم اللَّه تعالى علم حضوري، لا كعلمنا الذي يتم عن طريق تصوير الأشياء في الذهن، والعلم الحضوري معناه حضور كل شيءٍ بين يديه، وبحضور ذاته في كل مكان فهي تحيط بها جميعاً [١].
وقال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: كل ممكن فوجوده من الواجب، فاذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة فيض الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهيه وبين وجودها، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية [٢].
وقد ورد في تفسير الميزان أنّ هذه المعيّة نابعة من إحاطته بكم، فلا تغيبون عنه اينما كنتم، وفي أيّ زمان عشتم، وفي أيّ حال فرضتم، فذكر عموم الامكنة «أيْنَ مَا كنتم» لأنّ الاعرف في مفارقة شيء شيئاً، وغيبته عنه أن يتوسل إلى ذلك بتغيير المكان، وإلّا فنسبته تعالى إلى الأمكنة والأزمنة والأحوال سواء [٣].
ولكن من لم يستطيعوا فهم إحاطة اللَّه الوجوديّة بجميع الممكنات بصورة صحيحة، حملوا هذه الآية على المعنى المجازي فقالوا: إنّ المراد من معيّة اللَّه للموجودات، هو شمول علمه وقدرته وحاكميته عليهم [٤].
[١] ورد توضيح أكثر حول علم اللَّه في بحث علم اللَّه في نفس هذا المجلد.
[٢] تفسير الكبير، ج ٢٩، ص ٢١٤.
[٣] تفسير الميزان، ج ١٩، ص ١٦٧.
[٤] تفسير القرطبي، ج ٩، ص ٦٤٠٧، ويُلاحظ وجود معنى قريب من هذا التفسير في تفسير روح الجنان ج ١١، ص ٣٨، وقد نُقلَ أيضاً في تفسير الكبير، ج ٢٩، ص ٢١٥، عن المتكلمين بأنّ هذه المعيّة إمّا من جهة العلم أو من جهة الحفظ والحراسة.