نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٨ - لنتطرّق الآن إلى نقد وتحليل هذه الإشكالات
المقارن للنظام والحساب، ظهرت مسألة التقنين، فمثلًا قبل خلق المجرّات، لم يكن هناك قانون الجاذبية لكي يستعمله اللَّه في خلقه، ولكن انبثق بعد خلق المجرّات، وبتعبيرٍ آخر: إنّ قانون الجاذبية خُلقَ بعد خلق المجرّات مباشرةً.
ويصدُق هذا الكلام بخصوص جميع قوانين عالم الخلق والتكوين.
أمّا بالنسبة إلى القوانين التشريعيّة، فالمسألة ذات طابعٍ آخر، لأنّ اللَّه عندما خلق الإنسان، الذي يُعد النموذج الأتم للخلق، لكي يسير في طريق التكامل، وأودع فيه جميع وسائل الوصول إلى الكمال، فمن المُسَلَّم لزوم تناسب قوانينه التشريعيّة مع هذا الهدف، أي أن تكون القوانين بشكل تسوق الإنسان نحو الكمال، وإلّا لتنافت مع حكمة اللَّه.
أفيمكن أن تتناقض وتتضاد أفعال الحكيم؟!
فالظلم سبب فساد وسقوط وتأخُّر العالم، والعدل سبب تكامله وارتقائه، وما اللَّه بظالم ولا بمخرّب قواعد تكامل الإنسان.
وبتعبيرٍ آخر فإنّ أفعال اللَّه التشريعيّة تنبع من أفعاله التكوينيّة، ومن هنا ينشأ الحسن والقبح بالضبط، لا أن يكون اللَّه خاضعاً لقانونٍ آخر، بل إنّ جميع القوانين الموجودة هي قوانينه في عالم الدين والشريعة متناغمة مع قوانينه في عالم الوجود، وإلّا لكان ناقضاً لقوانينه بذاته، وهذا ليس من فعل الحكيم.
وقول البعض: (إنّ اللَّه لا يخضع لحكم العقل، ولا يُمكن للعقل أن يفرض عليه شيئاً معيناً) يُعَدُّ مغالطة صبيانية، لأنّ وظيفة العقل هي الإدراك لا تعيين الوظيفة، أي التفكّر والفهم لا التقنين والتشريع.
فالعقل يقول: إنني أفهم أَنَّ الحكيم لا يفعل الأفعال المتناقضة والمتضادة، أفهم أَنّ اللَّه لا ينتقض وعده، وأفهم أنّ الموجود الكامل من جميع النواحي لا يظلم، أي لا يضع الشيء في غير محلّه المناسب.
إنّ كل هذه الأمور هي من إدراك وفهم العقل، لا تعيين التكليف والوظيفة للَّهتعالى، لذا فكما يدرك العقل أَنّ ٢+ ٢/ ٤، كذلك يدرك أَنّ الحكمة تتنافى مع نقض الغرض، فاللَّه