نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
يرتكبوا الذنوب الموجودة في علم اللَّه منذ الأزل، لصار علم اللَّه جهلًا! [١]
في حين أنّ الرد على هذا الإشكال من البساطة والوضوح بحيث يعلمه جميع من لهم أدنى اطلاع حول مسألة الجبر والتفويض، وسيأتي شرحه في البحوث القادمة إن شاء اللَّه تعالى.
وأمّا الآية التاسعة فقد أشارت أيضاً إلى مسألة عدالة اللَّه في القيامة في مسألة الثواب والعقاب، وأكّدت على كلمة (القِسط)، قال تعالى: «إِنَّهُ يَبدَؤُا الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالقِسطِ».
وهذه الآية بالواقع تشير إلى كُلٍّ من الدليل العقلي على إمكان المعاد، ودليل وقوعه، أمّا إمكانه فلأنّ مَنْ بدَء الخلق قادر قطعاً على إعادته وإحيائه من جديد.
أمّا وقوعه، فلو لم يكُن (المعاد) لما تحقق القسط والعدل، فهنالك الكثير من المحسنين ممن لم يحصلوا في هذه الدنيا على ثواب عملهم، ومن المسيئين الذين لم يذوقوا- في هذه الحياة الدنيا- قصاص أعمالهم، فلولا المعاد لما تحقق العدل والقِسْط.
والجدير بالإنتباه هو أَنّ الآية قد أشارت في نهايتها إلى العذاب الأليم الذي سيلقاه الكافرون في الآخرة: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم شَرَابٌ مِّن حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكفُرُونَ».
(يونس/ ٤)
دون أن تتطرّق إلى مسألة القسط والعدل، والسبب في هذا هو أنّ إجراء القسط والعدل في جزاء الكافرين واضح من قرينة بداية الآية، علاوةً على كون جملة: «بما كانوا يكفرون» دليلًا واضحاً على كون ما يلقونه من العذاب جزاء ولقاء ما كانوا يعملون، وكأنّ المقصود من ذكر (القسط) بعد جزاء الصالحين هو بيان كونه الهدف الأصلي للخلق والإيجاد، وما يوم القيامة والحساب إلّالأجلهم وله حالة تبعيّة تخصّ الآخرين.
واحتمل بعض المفسّرين حول تفسير هذه الآية أنّ القسط هنا يخص أعمال المؤمنين،
[١] تفسير الكبير، ٧، ص ٢٠٦.