نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - ٥- أسئلة مهمة حول علم اللَّه
٢- ويوجد طريق آخر للإجابة على هذا السؤال نوضحه بالمثال التالي: تصوروا أنّ شخصاً محبوساً في غرفة صغيرة لا يوجد فيها سوى نافذة صغيرة على الخارج، فعندما تمر قافلة من الإبل من أمام هذه النافذة، فإنّ هذا السجين سوف يشاهد رأس البعير أولًا، ثم رقبته، ثم سنامه، ثم أرجله، ثم ذنبه، وهكذا الحال بالنسبة لسائر الابل الاخرى، فصغر النافذة هذه هو السبب في إيجاد حالات من الماضي والحاضر والمستقبل لدى الناظر السجين، لكن المسألة تختلف تماماً بالنسبة للواقف على سطح الغرفة وينظر إلى الصحراء نظرة شاملة، فهو يُشاهد جميع إبل القافلة في وقتٍ واحد.
ومن هنا يتضح أن إيجاد مفاهيم الماضي والحال والمستقبل ناجمة عن محدودية نظرة الإنسان، فما هو ماضٍ بالنسبة لنا كان مستقبلًا لأقوام قد سبقونا، وما هو مستقبل بالنسبة لنا الآن فهو ماضٍ بالنسبة لأقوامٍ ستأتي فيما بعد.
أمّا الذات الموجودة في كل مكان والتي أحاطت بالأزل والأبد، فإنّ الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبه لها لا معنى له، فجميع حوادث الدهر ماثلة بين يديها (ولكن كل واحدة في موقعها الخاص)، وهي محيطة علماً بجميع الحوادث وموجودات العالم، سواءً بالماضي، وبالحاضر، وبالمستقبل بصورة متساوية.
ونحن نُقرّ طبعاً بأنّ تصّور هذه المسألة بالنسبة لنا نحن المحبوسين في سجن الزمان والمكان، أمر صعب ومعقّد، ولكنه في نفس الوقت قابل للتدقيق والمطالعة.
٣- الطريق الآخر الذي استند إليه الكثير من الفلاسفة، هو أنّ اللَّه تعالى عالم بذاته المقدّسة، وبما أنّ ذاته علّة جميع المخلوقات، فإنّ العلم بالعلّة سيكون سبباً للعلم بالمعلول، وبتعبير آخر فإنّ اللَّه تعالى جامع لجميع الكمالات الموجودة في جميع المخلوقات بأتم صورة، وما هو غير موجود في ذاته المقدّسة هو نقائص المخلوقات فقط.
اذن، فعلمه تعالى بذاته هو بالحقيقة علمه بجميع المخلوقات. (وهناك فرق دقيق بين هذا الطريق والطريق الأول يتّضح من خلال التأمل).