نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - موجودٌ في كل مكان
لكن الظاهر أنّ هذا التعبير كناية عن العموم والشمول في عالم المادة، كما يستعمل أحياناً في التعابير اليومية التي تحتاج إلى هذا المعنى.
إنّه علّام الغيوب:
تشير الآية الخامسة- بقرينة الآيات السابقة لها إلى المنافقين، فتقول: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ» و: «أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الغُيُوبِ».
وتعبير «علّام الغيوب» تعبير جديد يمر علينا في هذه الآية، ونظراً لكون «علّام» صيغة من صيغ المبالغة ولفظ «الغيوب» لفظاً عاماً، فإنّه يشمل جميع خفيات عالم الوجود بأكمله وعالمي الطبيعة وما وراء الطبيعة.
واللطيف هو أنّ جميع الآيات القرآنية التي تناولناها في بحثنا لحد الآن حول علم اللَّه، وردت كتحذير للناس لكي يراقبوا أعمالهم وأقوالهم ونيّاتهم، أي أنّها أشارت إلى المسائل التربوية قبل كل شيء.
«النجوى»: من نجوة و «نجاة» في الأصل بمعنى المكان المرتفع، ومن حيث إنّ الشخص إذا أراد أن يحدث صاحبه بسرّ معين فانّه ينفرد به في مكان منعزل، فإنّ هذه الكلمة وردت هنا بمعنى الهمس في الاذن.
موجودٌ في كل مكان:
تحدثت الآية السادسة في البداية عن شهادة اللَّه على أعمال وأقوال وحالات الإنسان، ثم عن سعة علمه واحاطته بكل شيء في الوجود، وفي الحقيقة فإنّ لهاتين المسألتين ارتباطاً لطيفاً مع بعضهما، قال سبحانه: «وَمَا تَكُونُ في شَأنٍ وَمَا تَتلُوامِنهُ مِنْ قُرآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُوداً إِذ تُفيضُونَ فِيهِ» [١].
[١] ذكر المفسّرون ثلاثة احتمالات حول مرجع ضمير (منه): الأول أنّه يعود إلى (اللَّه) والثاني ضمير (الشأن) والثالث على (القرآن) لكننا نعتقد بأنّ الاحتمال الأول أقوى، ويصير مفهوم الآية كالتالي: (وما تتلو أيّ قسمٍ من القرآن عن اللَّه عزوجل إلّا ....) والدليل على هذا التفسير هو الآية السابقة لهذه الآية والتي تقول: (ما معناه) (بأن ما كان ينسبه الكفار إلى اللَّه تعالى إنّما هو كذب وافتراء) فقالت هذه الآية: بأنّ نبي الإسلام منزّه عن القيام بمثل هذه الأعمال وأنّ جميع ما يخبر به هو من عند اللَّه.