نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - ٣- (التكلُّم) في الروايات الإسلامية
وفي المقابل، كان الكثير من حكّام بني العبّاس يميلون إلى الأشاعرة، ويضربون أعناق القائلين بحدوث كلام اللَّه، في حين أننا اليوم نعلم بأنّ كل هذه الأمور كانت ألاعيب سياسيّة ظهرت بشكل مسائل عقائدية، وكان الحكّام الجبابرة آنذاك يلعبون بمعتقدات المسلمين من أجل بلوغ مقاصدهم المشؤومة ومواصلة تسلُّطهم على رقاب الناس.
٣- (التكلُّم) في الروايات الإسلامية
نواصل هذا الكلام برواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام، نقلها الشيخ الطوسي رحمه الله في (الأمالي) عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«لم يزل اللَّه جلّ اسمه عالماً بذاته، ولا معلوم، ولم يزل قادراً بذاته ولا مقدور، قلتُ:
جُعِلْتُ فداك: فلم يزل متكلّماً؟ قال: الكلامُ محدث، كان اللَّه عزّوجلّ ليس بمتكلّم ثمّ أحدث الكلام» [١].
وقد نقل المرحوم الكليني قدس سره نفس هذا الحديث في الكافي مع تفاوُتٍ بسيط، حيث ورد في ذيله بصراحة:
«إنَّ الكلام صفةٌ مُحدَثة ليستْ بأزليّة، كان اللَّه عزّوجلّ ولا متكلّم» [٢].
تُبيّن هذه العبارات بوضوح الفرق الموجود بين (صفات الذات) و (صفات الفعل)، صفات الذات التي كانت منذ الأزل كالعلم والقدرة، ولا تحتاج (في تحقُّقها) إلى وجود المخلوقات، أمّا (صفات الفعل) فهي صفات خارجة عن الذات الإلهيّة وقد انتزعها العقل عند صدور الأفعال من قِبَلِ اللَّه تعالى، ومنسوبة إليه (كالخالقيّة والرازقيّة)، وصفة (التكلُّم) من هذا القبيل أيضاً لأنّها نوع من الفعل والحركة، ونحن نعلم بأن ليس للحركة طريقٌ إلى الذات الإلهيّة المقدّسة.
[١] بحارالأنوار، ج ٤، ص ٦٨، الباب ١، ح ١١،.
[٢] أصول الكافي، ج ١، ص ١٠٧ (باب صفات الذات).