نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - ٢- الإستنتاج النهائي
ورسله لإبلاغهم بهذه الطريقة، كما ذكر القرآن حول تكليم اللَّه موسى بن عمران عليه السلام في الوادي (الأيمن)؛ حيث أوجد اللَّه في تلك الشجرة المباركة الخاصّة أصواتاً دعا موسى بواسطتها إليه.
٢- (التكلَّم) بمعنى التحدُّث باللسان وعن طريق الأوتار الصوتيّة، من عوارض الأجسام، ولا معنى له بخصوص اللَّه المنزّه عن الجسمانيّة، سوى ماذكرناه من إيجاد أمواج صوتية في الأجسام.
٣- القرآن الكريم الذي في متناول أيدينا هو عين هذه الألفاظ والحروف التي قد تظهر في قالب الكلام أحياناً، وفي قالب الكتابة أحياناً اخرى، ولا ريب في أنّ كليهما من الحوادث، وما قاله البعض من كون هذه الألفاظ والحروف قديمة أو وجوب الاعتقاد حتى بقدم جلد القرآن وأزليته، خرافات لاتستحق أن نبحثها.
ويبدو أنّ الذين اعتقدوا بِقِدَم كلام اللَّه، كان منشأ اعتقادهم هو ذكر القرآن الكريم (التكلُّم) كإحدى صفات اللَّه، ومن هنا سمي القرآن بكلام اللَّه، هذا من جهة، ومن جهةٍ اخرى هو كون وجود اللَّه أزلياً، إذن فصفاته يجب أن تكون أزلية أيضاً، ومنه استنتجوا بأنّ كلام اللَّه أزليٌّ أيضاً.
إنَّ هؤلاء وبسبب ضعف إدراكهم وقلّة معلوماتهم لم يستطيعوا التمييز بين (صفات الذات) و (صفات الفعل)، فصفات ذاته أزليّة (كالعلم والقدرة)، أمّا الصفات التي ينتزعها عقلنا بسبب صدور أفعال معينة من قِبَلِهِ جلّ وعلا، فهي أمور حادثة، لأنّ هذه الصفات غير قائمة بالذات الإلهيّة، بل هي مفاهيم عقليّة منتزعة تحصل من ملاحظة أفعاله.
وبتعبيرٍ آخر لا شك من وجود أفعال إلهيّة حادثة كخلق السموات والأرض، وخلق آدم، ومسألة الرزق، وغفران ذنوب العباد، وإرسال الأنبياء والرسُل، وعندما يُشاهد العقل صدور هذه الأفعال من جهته ينتزع منها صفات للَّهسبحانه (كالخالقيّة والرازقية والغفارية)، ومن المسلَّم به أنّ هذه الصفات لم تكن تصدق على اللَّه قبل أن يخلق موجوداً أو يعطيه رزقاً أو يشمله بمغفرته، (طبعاً كان قادراً على هذه الأمور، لكن الحديث لا يدور حول القدرة بل حول صدور عين هذه الأفعال).