نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - ١- اللَّه عز وجل فوق المكان والزمان
مكان معين يحدّه، وأن وجوده فوق الزمان والمكان، ولكون جميع الموجودات تستمد وجودها من وجوده، ولا تستغني عنه أبداً، فإنّه تعالى يُحيط بجميع موجودات العالَم إحاطة وجوديّة، هي عين إحاطته الربوبية والقيّوميّة. (فتأمل جيداً).
توضيحات
١- اللَّه عز وجل فوق المكان والزمان
للفلاسفة بحوث عديدة حول حقيقة (المكان) و (الزمان)، وبالرغم من أنّ هذا الموضوع من المواضيع التي تلازمنا دائماً إلّاأنّ معرفة حقيقتهما لا تزال من المشكلات حتى بالنسبة للفلاسفة! وهذه من العجائب.
فقد اعتقد جماعة بأنّ المكان- والذي يعطي معنى الفضاء، أو هو بُعد خاص تسبح فيه الأجسام،- موجود مخلوق قبل الجسم، وكُلّ جسم بحاجة إليه.
وقال آخرون: إنّ الفضاء الخالي من كُلّ شيء ليس إلّاوهمٌ وخيالٌ، وبالأساس، فإنّ عدم وجود الجسم يعني عدم وجود المكان، وبتعبيرٍ آخر: المكان يوجد بعد الجسم لا قبله، ويُنتزَع من مقايسة جسمَين مع بعضهما، وكيفية استقرارهما، وليس من المناسب هنا انتقاد هاتين النظريتين الفلسفيتين وتحليلهما، بل يجب القول: إنّ المكان بأي واحدٍ من هَذين المفهومين، محال بالنسبة إلى اللَّه عزّ وجلّ.
لأنّه لايمكن أن يكون هناك موجود قبل اللَّه، وفق التفسير الأول، القائل: إنّ (المكان موجود يسبق وجود الجسم)، وإذا قطعنا بأنّ الاجسام تحتاج إلى مكان، فهل يُمكن أن يحتاج واجب الوجود الغني عن الوجود إلى شيءٍ آخر؟
وعليه يتضح استحالة تحقق مفهوم المكان طبق التفسير الأول بخصوص الباري الغني عن كلّ شيء والمنشىء لجميع الوجودات، وأمّا وفق التفسير الثاني فهو يستلزم وجود النظير الكفؤ للَّهتعالى ليُقاس به، ويُنتزع المكان من قياس هذين الإثنين مع بعضهما، في حين أننا عرفنا في مباحث التوحيد أنّه تعالى ليس له كفؤ ابداً.