نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - المشيئة الإلهيّة
(المشيئة الإلهيّة العامة التكوينية)، قال تعالى: «يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ انَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَديرٌ».
وردت هذه الجملة في القرآن الكريم بعد أن أشار تعالى إلى خلق مختلف أنواع الدواب من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، ونحن نعلم بأنّ تنوع الاحياء بلغ من الكثرة والتشعب بحيث يتجاوز عدد أنواع الحشرات التي درسها العلماء عدّة ملايين، وهكذا بالنسبة لأنواع النباتات بتركيباتها وخصائصها المتفاوتة، فإنّ أنواعها بلغت مئات الآلاف، ممّا تدل بأجمعها على سعة مفهوم الآية المذكورة أعلاه.
والجدير بالذكر أنّ هنالك أنواعاً جديدة من الأحياء تكتشف بمرور الزمان لم تكن موجودة سابقاً، أي أنّ إيجاد وخلق الحيوانات والنباتات لايتعطل حتى ولا لحظة واحدة! وأساساً أنّ تنوع الظواهر يعدُّ دليلًا على إرادة ومشيئة المظهر المبدي، لأنّ الصانع العديم الإرادة يخلق اموراً متساوية ومتشابهة، بينما كلما حلت الإرادة في موضع اصطحبت معها التنوع [١].
المشيئة الإلهيّة:
والآية السادسة تحدثت عن المشيئة الإلهيّة أيضاً، والحديث هذه المرّة يدور حول مصير العباد وأعمالهم، فالتفت عزّ وجلّ بالخطاب إلى رسوله الكريم صلى الله عليه و آله بقوله: «وَلَا تَقُولَنَّ لِشَىءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* الَّا انْ يَشَاءَ اللَّهُ». أي عندما تتحدث عن عزمك بالقيام بعملٍ مافي المستقبل فتوكل على المشيئة الإلهيّة دائماً وقل: «إن شاء اللَّه». وهذه الجملة تدلّ على تقدم مشيئة اللَّه على بقية المشيئات وعدم وقوع أي شيء دون مشيئته سبحانه.
وواضح أنّ هذا الكلام لايشير أدنى إشارة إلى مسألة الجبر، بل يشير إلى غلبة المشيئة
[١] أشار القرطبي في تفسيره ج ٧، ص ٤٧٤ إلى هذا الموضوع.