نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - ٢- الأدلّة العقليّة على مسألة العدل الإلهي
كما هو حال الصفات الكمالية كالعلم الذي يُقرّب الإنسان من هذه الأهداف.
وعليه فإنّ هذه المعاني الثلاثة لازمة وملزومة ببعضها، وإن فرّق «فاضل القوشچي» بينها فإنّما هو لتعبيد الطريق للإجابة على استدلالات جماعة (الحسن والقبح العقليين)، فمثلًا يَرُدُ على استدلالهم هذا عندما يقولون: (نحن ندرك حسن الإحسان وقبح الظلم بحكم ضرورة الوجدان). فيقول: إنّ هذا الكلام صحيحٌ بالمعنى الأول والثاني، وغير صحيح بالمعنى الثالث.
لذا يُمكن القول في تعريف (الحسن والقبح) بأنّ الأفعال الحسنة هي الأفعال التي تقرّب الفرد أو المجتمع البشري من الكمال المطلوب، أو تربّي فيه الصفات الكماليّة، وتقرّبه من الأهداف التكاملية، ومثل هذه الأعمال فيها مصلحة طبعاً ومحببة من قبل اللَّه سبحانه وتعالى وتستحق الثواب، وعكسها الأفعال القبيحة.
الآن وبعد أن عرفنا معنى (الحسن والقبح) والأراء المختلفة حول عقلانيتهما وعدم عقلانيتهما، لننظر أيّاً منهما أحق من صاحبه.
لا ريب في أنّ الذهن الفارغ من تأثيرات هذا وذاك يعتقد إجمالًا بعقلانية الحسن والقبح، ويبدو أنّ المنكرين كانوا قد خضعوا لتأثيرات مسائل اخرى أدّت بهم إلى الوصول إلى هذه النتيجة (كالطريق المسدود الذي وصل إليه دعاة مسألة الجبر والتفويض التي أشرنا إليها سابقاً)، والدليل على إثبات هذا الموضوع إجمالًا أمران:
أ) عندما نُراجع وجداننا نلاحظ أَنَّهُ حتى على فرض عدم ارسال اللَّه أيّ رسولٍ أو نبي، تبقى مسائل الظلم والجور وإراقة دماء الأبرياء وسلب الأموال، وحرق بيوت الأبرياء ونقض العهود وإثابة المسيء، من القبائح، وبالعكس، فالإحسان، التضحية، الفداء، السخاء، مساعدة الضعفاء، الدفاع عن المضلومين، حسن وذو قيمة.
فنحن نعتقد بأنّ هذه الأعمال- التي ذكرناها أخيراً- ناشئة من صفات الكمال، وباتّجاه أهداف المجتمع البشري وتستحق الثناء والثواب، في حين أنّنا نعتبر أعمال المجموعة الأولى ناشئة من النقص، وتؤدّي إلى الدمار والفساد الفردي والاجتماعي وتستحق التوبيخ والعقاب.