نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - ٢- الأدلّة العقليّة على مسألة العدل الإلهي
بحُسْنها وقُبحها، فإذا قال الشرع خلاف ما نعتقد لقلنا مثل قوله، حتى وإن سُئِلوا: هل يُدرك العقل حُسْن العدالة والإحسان، وقبح الظلم والبخل، وقتل الأبرياء؟ لقالوا: لا! فيجب الإستعانة فقط بتوجيهات الأنبياء وأولياءِ اللَّه.
وفي مقابل هؤلاء يقف (المعتزلة) و (الشيعة) الذين يعتقدون باستقلال العقل في إدراك الحسن والقبح، فمثلًا يعتبرون حُسن الإحسان، وقبح الظلم من بديهيات حكم العقل.
طبعاً إنّهم لا يقولون: إنّ العقل قادرٌ على إدراك جميع المحاسن والمساوي، لأنّ إدراكه محدود على أيّة حال، بل يقولون: إنّ العقل يدرك القسم الواضح جدّاً منها، ويُعدّونها من المستَقلات العقليّة.
ذكر (فاضل القوشچي) ثلاثة معانٍ للحسن والقبح:
١- (صفة الكمال والنقص)، كقولنا: الِعلمُ حسنٌ، والجهل قبيحٌ، لأنّ العلم يمنح صاحبه الكمال، والجهل يخلّف النقصان.
٢- الحسن بمعنى (التنسيق مع المقصود)، والقبح بمعنى (عدم التنسيق مع المقصود).
هذا هو ما يُعبَّر عنه أحياناً ب (المصلحة) أو (المفسدة) فنقول: العمل الفلاني حسن ومن ورائه مصلحة، أي يُقربنا أو يقرب المجتمع الإنساني من أهدافه، أو الأمر الفلاني فيه مفسدة وقبيح، لأنّه يُبعدنا عن الأهداف الأساسيّة، سواءٌ كانت هذه الأهداف ماديّة أو معنويّة.
٣- الحسن بمعنى (الأمور المستحقّة للثناء والثواب الإلهي)، والقبح بمعنى (الأمور المستحقة للتوبيخ والعقاب).
ثم أضاف قائلًا: وموضع الشجار والنزاع بين الأشاعرة والمعتزلة هو هذا المعنى الثالث [١] [٢].
ولكن الحق هو أنّ هذه المعاني الثلاثة غير منفصلة عن بعضها، لأنّ الثواب والثناء يعود إلى الأفعال والأعمال التي فيها مصلحة معينة، وتقرّب الإنسان إلى مراحل الكمال طبعاً،
[١] شرح تجريد القوشچي، ص ٤٤١.
[٢] هنالك معنى رابعٌ للحسن والقبح والذي هو خارج عن بحثنا، وهو الحسن بمعنى موافقة الطبع (الوجه الجميل) والقبيح بمعنى منافرة الطبع.