نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - و هو معكم أينما كنتم!
أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ مَا فِى السَّماوَاتِ وَمَا فِى الأَرضِ». (المجادلة/ ٧)
ولكن من البديهي أنّ إحاطة اللَّه الوجوديّة بكلّ شيء هي عين إحاطته العلمية، لأنّه وكما أشرنا سابقاً فإن علم اللَّه علم حضوري، ولازمهُ حضوره عزّ وجلّ في كل مكان (فتأمل جيداً).
نلاحظ نفس هذا المفهوم في الآية الخامسة وبتعبيرٍ جديد، حيث قال تعالى: «وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ وَنَعلَمُ مَاتُوَسوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ».
تُطلق كلمة (وريد) على أي نوعٍ من أنواع عروق البدن، لكن الكثير من المفسّرين فسّروها بمعنى الوريدين الرئيسين الموجودَين في جانبي الرقبة، وفسرها جماعة بمعنى الوريد الرئيس المتصل بالقلب.
ولكن عندما نضيف كلمة (حبل) إلى كلمة (وريد) فلا يراد منه الأوردة الصغيرة والعاديّة الموجودة في البدن، بل يُقصد به أحد الأوردة الكبيرة والمعروفة في البدن، وقد ورد كلا التفسيرين في تفسير ذيل هذه الآية في كلام المفسّرين وأرباب اللغة [١].
لكن المناسب لهذه الآية هنا، هو الوريد الرئيس في القلب لأنّه ورد أيضاً في الآية:
من سورة الأنفال: «وَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرءِ وَقَلبِهِ». (الأنفال/ ٢٤)
وكلا الآيتين كناية عن منتهى قُرب اللَّه تعالى لجميع عباده، لأننا لو اعتبرنا قلب الإنسان مركز وجوده، لما كان هنالك شيء أقرب إليه من وريد القلب، فالقرآن يريد أن يقول:
(ونحن أقرب إليه حتّى من هذا أيضاً).
وعلاوةً على هذا فإنّ الآية قد تحدثت في البداية عن علم اللَّه بما توسوس به نفس الإنسان، ممّا يتناسب مع القلب لا الرقبة.
على أيّة حال، إنّ هذه المسألة تصوّر عموم المكان للَّهتعالى بأفضل وجه، لأنّها تقول:
[١] التحقيق، مفردات الراغب، مجمع البحرين، لسان العرب، تفسير الميزان والقرطبي وغيرها.