نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - ثمرة البحث
كيف يُمكن أن يُساوي بين المحسن والمُسيء؟
أشارت الآية الأخيرة الثانية عشر من بحثنا إلى نفس هذه الحقيقة من خلال تعبير ظريف آخر، دون أن تُصرّح بكلمة العدل، أو القسط، أو مصطلحات نفي الظلم، وما شاكل ذلك.
قال تعالى: «ام نَجعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفسِدِينَ فِى الأَرضِ أَم نَجعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ».
إنّ هذا الاستفهام هو نوعٌ من الاستفهام الإستنكاري، أي: إنّ مثل هذا الشيء غير مُمكن، لأنّ المساواة بين المصلح والمفسد، والمتقي والفاجر، ظلمٌ فاحش، واللَّه العادل لا يفعل ذلك أبداً.
وإن كانت المسألة كما اعتقد البعض من الجهلاء، في كون العالَم ملكاً للَّهوالعباد عباده، وكل ما يفعله بحقّهم هو عين العدالة، لفقدت الآية أعلاه معناها.
ويجدر الإلتفات إلى أنّ الآية أعلاه قد عرضت المسألة على الوجدان البشري الحي، وخاطبته بصيغة الاستفهام الإستنكاري: (فهل يُمكن أن يفعل اللَّه هذا؟).
وقد أشارت هذه الآية بصورة ضمنية إلى مسألة المعاد، لأنّه لو لم يَكن هناك معاد لتساوى المصلح والمفسد، ففي الدار الدنيا يُمكن أن لا يلقى أيٌ منهم جزاء عمله، وهذا ممّا لا يتلائم مع عدله تعالى، إذن يجب أن يكون هنالك يومٌ للحساب لتحقق أسس العدالة.
ثمرة البحث:
نستنتج من مجموع الآيات التي ذكرناها أنَّ الذات الإلهيّة المقدّسة منزّهة عن الظلم والجور بكل أشكاله، وبكل مقاديره، قليله أمْ كثيره، في الدنيا أَمْ في الآخرة، وبحق أيّ أحدٍ كان.
إنّه تعالى لا يظلم أحداً بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولا يعمل عملًا يؤدّي (ولو بمئات