نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢١ - ما اللَّه بظلّامٍ
ويُحتمل أيضاً أن يؤدّي ترابط عالم الوجود، وبالأخص حياة البشر، مع بعضه إلى أنّه لو افترضنا صدور ظلمٍ معينٍ من ذاته المقدّسة بشأن أحدٍ ما، لسَرى إلى الآخرين واتخذ صفة (ظلّام).
كيف يُمكن أن يوصف اللَّه، المنزّه عن كل عيبٍ ونقصٍ، والموصوف بجميع صفات الجمال والجلال، بصفة (الظلّام)؟
والتفسير الرابع هنا، والذي يَبدو أفضل من جميع هذه التفاسير، والمشار إليه في بعض الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام، هو أنّ الآية المذكورة- ونظراً لما ورد في صدرها- تُبطل عقيدة الجبر: فتقول: «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا». (فصلت/ ٤٦)
فعليه الجميع مفوّضون في ممارسة الأعمال، وإذا أجبرهم اللَّه على ارتكاب الذنوب وآخذهم عليها لكان ظلّاماً قطعاً، ولأنّ اللَّه ليس بظلّامٍ للعبيد فهو لا يجبرهم على ارتكاب القبائح ويؤاخذهم عليها فيما بعد.
ورد في حديثٍ عن الإمام الرّضا عليه السلام أنّه سُئِلَ من قِبَل أحد أصحابه: هل يجبر اللَّه عباده على الذنب؟ فأجابه عليه السلام: «لا، بل خيّرهم وأمهلهم ليتوبوا»، فسأله كذلك: فهل يكلّفهم ما لا يُطيقونه؟ فقال الإمام عليه السلام: «كيف يفعل ذلك وهو يقول: «وَمَا رَبِّكَ بِظَلَّامِ لِّلعَبِيدِ»».
(لاحظوا أنّ الإعتقاد بالجبر يوجب التكليف بما لا يُطاق، لأنّ العبد المجبور على المعصية، لا طاقة له على الترك، في حين أنّ اللَّه قد فرض عليه تركها) [١].
والجدير بالإلتفات هو أنّ كلمة (ظلّام) قد وردت. خمس مرّات في القرآن الكريم أربعٌ منها بخصوص مسألة حريّة إرادة العباد [٢].
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٥٥٥، ح ٧١.
[٢] وردت عبارة «وما ربك بظلام للعبيد»، في آل عمران، ١٨٢؛ و فصلت، ٤٦ والتي يدور البحث حولها و الانفال، ١٥١.