نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٩ - إنّ اللَّه لا يظلم أحداً
أي: إنّ اللَّه سيجزي المؤمنين في يوم القيامة لقيامهم بالعدل والقسط الذي يقتضيه الإيمان [١].
لكن المفسّر هذا لم ينتبه إلى هذه الحقيقة وهي كون (العمل الصالح) يتماشى مع أُسس العدالة، ولا تحتاج إلى قيدٍ أو شرط، إلّاأن يكون ذا حالة تأكيديّة، ونحن نعلم بأنّ حمل الكلام على التأكيد خلاف الظاهر ويحتاج إلى قرينة.
وأشارت الآية العاشرة إلى نفس هذا المعنى مع وجود هذا التفاوت، وهو بَيانها القسط والعدل كصفتين لموازين الأعمال، ونحن نعلم بأنّ مُقيم هذه الموازين هو اللَّه العادل، إذن لابدّ من التسليم بأنّها من صفات ذاته المقدّسة.
والتفاوت الآخر في هذه الآية عن الآية السابقة هو كون مفهوم هذه الآية عامّاً، ويشمل كلًا من المؤمن والكافر، لأنّ (ميزان القسط) لا يزن إلّاقِسْطاً وعدلًا، ولا يظلمُ أحداً. قال تعالى: «وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً».
والظريف هو وصفه تعالى هذه الموازين (بالقسط)- (العدل بالمعنى المصدري)- وقوله:
إنّ هذه الموازين عين العدل، ممّا يعكس نهاية التأكيد كقولنا: (زيدٌ عدلٌ)، أي أنّه عين العدل، فعليه لا حاجة في هذه الآية إلى التقدير.
وسيأتي هذا المطلب في المجلد الخامس من هذا التفسير في بحوث المعاد إن شاء اللَّه، وهو كون المقصود من (الميزان) هنا شيئاً مماثلًا للموازين الماديّة ليصير مجالًا لطرح هذا الإشكال، وهو كون أعمال الإنسان ليست ذات وزنٍ يُذكَرُ، فكيف يمكن وزنها بهذه الموازين؟ فنضطر إلى القول كما قال الفخر الرازي: إنّ المقصود منها وزن كتب الأعمال!
أو الحسنات تتجسّم بشكل جواهر بيضاء نورانية! والسيئات تتجسّم بشكل جواهر سوداء ظلمانية! [٢]
[١] تفسير المنار، ج ١١، ص ٢٩٩.
[٢] تفسير الكبير، ج ٢٢، ص ١٧٦.