نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٨ - ٣- الخيرات التي تأتي من الشرور
٣- الخيرات التي تأتي من الشرور
نظراً لنسبية الخير والشّر، والتأثير المتقابل للأشياء في بعضها الآخر: كثيراً ما يتفق أن تصير الحوادث والظواهر التي تُعدُّ شروراً في الظاهر منبعاً لخيرات وبركات مختلفة.
فكثير من حالات الحرمان تصير سبباً في تفتحُّ الإستعدادات والجهود العظيمة، لأنّ الإنسان على أيّة حال ينتفض ويُجنّد جميع ما يمتلكه في باطن وجوده للحصول على ما يصبوا إليه، وهذه المسألة بالذات ستصير سبباً في القفزات العلمية والاجتماعيّة.
وكثيرٌ من حالات الحرمان صارت سبباً للوصول إلى اختراعات كبيرة، وكثير من حالات النقصان صارت مقدمة للتوصل إلى منابع مهمّة جديدة.
فالأشجار التي تنمو في المناطق الصخريّة، والنباتات البريّة التي تنمو بالرغم من افتقارها لكثير من مُسببّات النمو، فهي أصلب عوداً، وأقوى وقوداً من النباتات التي تنمو على ضفاف الأنهار بعدّة أضعاف، والبشر يخضعون لهذا القانون أيضاً.
والبدو الذين يواجهون أنواع المشاكل دائماً، ويصارعون أنواع الحيوانات الوحشيّة، يتّصفون بالشجاعة والقوّة وشدّة التحمُّل، في حين نجد سكّان المدن الذين يتمتعون بالنّعم الوفيرة والأمان نجدهم ضعفاء بالقياس إلى البدو.
وللقرآن الكريم بيان لطيف في هذا الخصوص حيث يقول: «فَإِنَّ مَعَ العُسْر يُسْراً* إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً». (ألم الشرح/ ٥- ٦)
يجدر الإشارة إلى أن تلازُم هذين الأمرين بدرجة من القوّة والقرب بحيث وكأنّهما متجاوران، كما يُستنتجُ من كلمة (مع).
وهذه المسألة أيضاً جديرة بالإنتباه وهي كون (العسر) معرفاً بالف لام التعريف، وتعبير (يسر) مذكور بصيغة النكرة، والمقصود منه تبيان العظمة أي مع العسر يسرٌ عظيم.
يعتقد بعض المؤرخين بأنّ سيل المشاكل كان من أحد العوامل المهمّة لتقدُّم المسلمين الأوائل السريع، حيث ترعرع المسلمون في وسط تلك المشاكل، وصاروا في ظلّها مجاهدين أقوياء ومقتدرين، في حين كان من أحد عوامل تراجع وتخلُّف المسلمين في