نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٧ - توضيح وبلاغ
أمّا البعد السابع: فهو أنّ رزقه بدرجة من السعة والشمول بحيث يبدأ منذ لحظة انعقاد النطفة في عالم الرحم، ويستمر طيلة مرحلة وجود الجنين في بطن أُمّه، وبعد الولادة من خلال حليبها وحنانها أيضاً، حتّى لحظات الموت الأخيرة، فهل من رازقٍ يُناظره؟ أجَلْ هذا سر قوله سبحانه (خير الرازقين).
واللطيف هو ماورد في روايات عديدة منقولة عن أهل البيت عليهم السلام حول تفسير الآية الشريفة التالية: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ». (التكاثر/ ٨)
(إنّ اللَّه أجلّ من أن يسأل الناس يوم القيامة عن مأكلهم ومشربهم، فهذا فضله على عباده ولن يسألهم عنه بل عن (العقائد الحقّة) ومن جملتها (نعمة الولاية) [١].
وعليه فقد عكست لنا هذه الرواية معنىً آخر من معاني (خير الرازقين) لأنّه سبحانه- طبق ماجاء في الحديث- لايسأل عن هذه الأرزاق!
أمّا السّر من اطلاق كلمة (الرزاق) على الباري تعالى، ثم (ذو القوة المتين) فهو لأنّ كلمة (الرزّاق) صيغة من صيغ المبالغة، وترمز إلى أنواع الأرزاق التي يهبها اللَّه المنان لجميع المرتزقين، لذا لا تليق هذه الكلمة إلّابشأنه، بل وكما أشرنا سابقاً من أنّ سواه لايُمكن أن يكون (رازقاً) ناهيك عن أن يكون رزّاقاً.
لأنّ اولئك لايملكون شيئاً ليمنحوه للغير، بل يمكنهم أن يكونوا واسطةً لإيصال الأرزاق إلى الآخرين.
وكلمةُ (متين) تعني المحكم، وأخذت من مادّة (مَتْن) التي هي في الأصل تعني العضلتين
[١] واليك نماذج من تلك الاحاديث:
أ) عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فدعا بالغداء فأكلت منه طعاماً ما اكلت طعاماً قط اطيب منه ولا الطف فلما فرغنا من الطعام قال: ياابا خالد كيف رأيت طعامك او قال طعامنا؟ قلت: جعلت فداك ما اكلت طعاماً أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية في كتاب اللَّه عزّ وجل «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ» فقال أبو جعفر عليه السلام: «إنّما يسئلكم عمّا أنتم عليه من الحق».
ب) عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام أنّه قال: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» واللَّه ماهو الطعام والشراب ولكن ولايتنا أهل البيت.
تفسير البرهان، ج ٤، ص ٥٠٢، ح ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١١، ١٢، ١٣.