نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٦ - توضيح وبلاغ
يُستنتج ممّا ذكرناه أنّ الرزق يأتي بالمرحلة التي تلي الخلق وإيجاد الإنسان، ويرتبط باستمرار حياته الماديّة والمعنوية، ولذا اعتبر البعض أنّ أصل وجود الإنسان أو قواه وامكانياته جزء من الرزق (كالمرحوم الكفعمي في المصباح حيث يقول: إن رزق اللَّه يعني بانّه خلق الأرزاق والمرتزقين)، وهذا في الحقيقة نوعٌ من المجاز والاتساع في المعنى الحقيقي.
وعلى أيّة حال فإنّ وصف الباري في الآيات المذكورة بصفة: (خير الرازقين) يشير إلى الأبعاد المختلفة التالية:
فالبعد الأول: إنّ أي شيء يعطيه الباري إنّما هو من عنده، وكل ما يمنحه الآخرون فهو ليس منهم، بل هم واسطة لانتقال الأرزاق.
البعد الثاني: إنّه سبحانه يُعطي كُلّ شيء من أنواع النعم الماديّة والمعنوية والروحية، الدنيوية والأخرويّة، الظاهريّة والباطنية، العلنية والخفيّة و ....، في حين أنّ كل شيء يعطيه الآخرون محدودٌ من جميع النواحي.
والبعد الثالث: إنّه تعالى يأخذ بنظر الاعتبار حاجة العباد عند تقدير أرزاقهم ويرزقهم بما يُناسب حالهم، لأنّه عليم باسرار المرتزقين الظاهريّة والباطنيّة، ونعلمُ أنّ الآخرين ليسوا كذلك.
والبعد الرابع: إنّه الرّزاق الذي لا تنفد خزائنه أبداً لأنّ خزائن كل الأشياء بيده: «وَإِنْ مِّن شَيءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ». (الحجر/ ٢١)
وفي حين يتصف الآخرون بالمحدوديّة التّامّة من هذه الجهة.
أمّا البعد الخامس: إنّه الرازق الذي يتناول من مائدته الصديق والعدو، وجميعهم يتزوّدون من نعمته بمقتضى كونه الرحمن والرحيم.
لكن الآخرين لا يفكرون سوى بأصدقائهم وأقربائهم.
والبعد السادس: إنّه لا ينتظر لقاء عطائه وإنعامه جزاءاً ولا شكوراً، لأنّه غني من كل ناحية، لكن الآخرين ينتظرون ألف لونٍ من قبيل ذلك.