نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٩
آخر الكلام حول مسألة العدل الإلهي: انعكاس العدل الإلهي في «الأخلاق» و «العمل».
فقد أشرنا سابقاً إلى عدم انفصال «المسائل العقائدية» عن «المسائل العلميّة» في الإسلام، وإلى كون التفكّر بالصفات الإلهيّة يؤدّي إلى تفتُّح بصيرة الإنسان، وربطها بذلك الكمال المطلق، والسعي للتقرب إليه تعالى بالسير الظاهري والباطني، وهذا القرب سيؤدّي بالنتيجة إلى تخلق الإنسان بالأخلاق الإلهيّة، وانعكاس صفاته تعالى في أخلاقه واعماله.
لذا فكلما تقرب الإنسان إليه أكثر، تأصلت هذه الصفات فيه أكثر، لا سيما في مسألة العدل الإلهي، «سواءً أفسّرنا العدالة بمفهومها الواسع أي وضع كل شيء في محلّه المناسب، أم بمعنى أداء الحقوق ومحاربة كل ألوان التبعيض والإجحاف»، فهذه العقيدة تترك أثراً في الفرد المسلم والمجتمعات الإسلامية، وتدعوهم نحو إدارة الأعمال بصورة صحيحة، ورفع راية العدل ليس فقط في المجتمعات الإسلاميّة، بل في العالم أجمع.
ومسألة العدالة في الإسلام بدرجة من الأهميّة بحيث لا يحول دونها شيء، فلا أثر للحب والعداوة والقرابة والأرحام، البعد والقرب فيها وأي انحراف عنها يُعدّ اتباعاً للهوى، كما ورد في قوله تعالى: «يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرضِ فَاحكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» (ص/ ٢٦)
قوله تعالى: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قَومٍ عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا». (المائدة/ ٨)
وهذا الموضوع بدرجة من الأهميّة بحيث لو لم يتيسّرْ تطبيق العدالة بالطرق السلميّة لجاز تعبئة المظلومين ودعوتهم إلى الثورة العامة من جهة، ومقاتلة الظالم للدفاع عن حقهم من جهة اخرى، كما ورد في الآية: «وَمَا لَكُم لَاتُقاتِلُونَ فِى سِبيلِ اللَّهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وِالوِلْدانِ». (النساء/ ٧٥)